ويقصد بذلك المال الذي يكون أصله حلال لكن اتصف بصفة جعلته حرامًا،ككونه أخذ بطريق ربًا ،أو أجرة على فعلٍ محرم كغناءٍ ونحوه ،وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن امرأة كانت مغنية و اكتسبت في جهلها مالا كثيرا و قد تابت و حجت إلى بيت الله تعالى و هي محافظة على طاعة الله فهل المال الذي اكتسبته من حل و غيره إذا أكلت و تصدقت منه تؤجر عليه
فأجاب: المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة مباحة في نفسها و إنما حرمت بالقصد مثل من يبيع عنبا لمن يتخذه خمرا أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها فهذا يفعله بالعوض لكن لا يطيب له أكله (13)
النوع الثاني:المحرم لعينه:
ويقصد به ما كان محرمًا لذاته ، فلا يحل في أي زمان ولا مكان ،ومن أمثلتها أجرة الزنا ، وقيمة الخمر ، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذلك فقال:"و أما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي و ثمن الخمر فهنا لا يقضي له به قبل القبض، و لو أعطاه إياه لم يحكم برده فان هذا معونة لهم على المعاصي إذا جمع لهم بين العوض و المعوض، و لا يحل هذا المال للبغي و الخمار و نحوهما لكن يصرف في مصالح المسلمين."
و أما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل له أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك و أما إن تصدق به كما يتصدق المالك بملكه فهذا لا يقبله الله لأن الله لا يقبل إلا الطيب فهذا خبيث كما قال النبي - صلى الله عليه و سلم-:"مهر البغي خبيث" (14)
2ـ وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر أو خنزير أو على زنى أو فاحشة فهذا لا يجب رد العوض على الدافع لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان وتيسير أصحاب المعاصي عليه وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به ولا يسوغ القول به وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها ثم يرجع فيما أعطاها قهرا وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء فلا تأتي به شريعة ولكن لا يطيب للقابض أكله بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن خبثه لخبث مكسبه لا لظلم من أخذ منه فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته ويتصدق بالباقي فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه عينا كان أو منفعة ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بخبث كسب الحجام ولا يجب رده على دافعه.
تنبيه:يحرم رد المال الذي أخذ عوضًا على محرم إلى صاحبه.
ترد هاهنا شبة مفادها ، ولابد من الإجابة عليها:
الشبهة: أنه إذا جاز صرف هذه الأموال المحرمة إلى وجوه الخير فصرفها إلى أصحابها الأصليين جائز عند احتياجهم إليها من باب أولى؟
وذلك بأن يقال: الدافع ماله في مقابلة العوض المحرم دفع ما لا يجوز له دفعه، بل حجر عليه الشارع في ذلك التصرف ، فلم يقع قبضه موقعه، بل وجود هذا القبض كعدمه، فيجب رده على مالكه، كما لو تبرع المريض لوارثه بشيء ،أو لأجنبي بزيادة على الثلث، أو تبرع المحجور عليه بفلس أو سفه، أو تبرع المضطر إلى قوته بذلك، ونحو ذلك، وسر المسألة أنه محجور عليه شرعا في هذا الدفع فيجب رده إليه.
الرد على الشبهة:
هذا قياس فاسد لأن الدفع في هذه الصور تبرع محض، لم يعاوض عليه، والشارع قد منعه منه لتعلق حق غيره به ،أو حق نفسه المقدمة على غيره.
وأما ما نحن فيه فهو قد عاوض بماله على استيفاء منفعة أو استهلاك عين محرمة ، وقد قبض عوضًا محرمًا، وأقبض مالا محرمًا، فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه، وبذل فيه ما لا يجوز بذله ،فالقابض قبض مالًا محرمًا، والدافع استوفى عوضًا محرمًا.
وقضية العدل تراد العوضين ،لكن قد تعذر رد أحدهما فلا يوجب رد الآخر من غير رجوع عوضه ، نعم لو كان الخمر قائما بعينه لم يستهلكه أو دفع إليها المال ولم يفجر بها وجب رد المال في الصورتين قطعا كما في سائر العقود الباطلة إذا لم يتصل بها القبض
فإن قيل: وأي تأثير لهذا القبض المحرم حتى جعل له حرمة ومعلوم أن قبض ما لا يجوز قبضه بمنزلة عدمه إذ الممنوع شرعا كالممنوع حسا فقابض المال قبضه بغير حق فعليه أن يرده إلى دافعه ؟
قيل: والدافع قبض العين واستوفى المنفعة بغير حق كلاهما قد اشتركا في دفع ما ليس لهما دفعه وقبض ما ليس لهما قبضه وكلاهما عاص لله فكيف يخص أحدهما بأن يجمع له بين العوض والمعوض عنه ويفوت على الآخر العوض والمعوض
فإن قيل: هو فوت المنفعة على نفسه باختياره قيل: والآخر فوت العوض على نفسه باختياره فلا فرق بينهما وهذا واضح بحمد الله