فهرس الكتاب

الصفحة 5311 من 27345

ومن جملة الصفات التي أمرها السلف على ظاهرها وأجروها على ما جاء به القران والسنة من دون تكلف ولا تأويل صفة الاستواء التي ذكرها السائل. يقولون نحن نثبت ما أثبته الله لنفسه من استوائه على عرشه على هيئة لا يعلمها إلا هو وكيفية لا يدري بها سواه، ولا نكلف أنفسنا غير هذا. فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا يحيط عباده به علما. وهكذا يقولون في مسألة الجهة التي ذكرها السائل وأشار إلى بعض ما فيه دليل عليها. والأدلة في ذلك طويلة كثيرة في الكتاب والسنة. وقد جمع أهل العلم منها، لا سيما أهل الحديث، مباحث كتبوها بذكر آيات قرآنية وأحاديث صحيحة وقد وقفت من ذلك على مؤلف بسيط في مجلد جمعه مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي رحمه الله استوفى فيه كل ما فيه دلالة على الجعة من كتاب أو سنة أو قول صاحب مذهب. والمسالة أوضح من أن تلتبس على عارف وأبين من أن يحتاج فيها إلى التطويل، ولكنها لما وقعت تلك القلاقل والزلازل الكائنة بين بعض الطوائف الإسلامية كثر الكلام فيها وفي مسالة الاستواء وطال، سيما بين الحنابلة وغيرهم من أهل المذاهب، فلهم في ذلك الفتن الكبرى والملاحم العظمى، ومازالوا هكذا في عصر بعد عصر. والحق هو ما عرفناك من مذهب السلف الصالح. فالاستواء على العرش والكون في تلك الجهة قد صرح به القران الكريم في مواطن يكثر حصرها ويطول نشرها وكذلك صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير حديث. بل هذا مما يجده كل فرد من أفراد الناس في نفسه وتحسه في فطرته وتجذبه إليه طبيعته، كما نراه في كل من استغاث بالله سبحانه وتعالى والتجأ إليه ووجه أدعيته إلى جنابه الرفيع وعزه المنيع، فإنه يشير عند ذلك بكفه أو يرمي إلى السماء بطرفه. ويستوي في ذلك عند عروض أسباب الدعاء وحدوث بواعث الاستغاثة ووجود مقتضيات الإزعاج وظهور دواعي الالتجاء، عالم الناس وجاهلهم والماشي على طريقة السلف والمقتدي بأهل التأويل القائلين بأن الاستواء هو الاستيلاء، كما قال جمهور المتأولين والأقيال كما قاله أحمد بن يحيى وثعلب والزجاج والفراء غيرهم، أو كناية عن الملك والسلطان، كما قاله آخرون. فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر والإذعان بأن الاستواء والكون على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف ولا تكلف ولا قيل ولا قال ولا قصور في شيء من المقال. فمن جاوز هذا المقدار بإفراط أو تفريط فهو غير مقتد بالسلف ولا واقف في طريق النجاة ولا معتصم عن الخطأ ولا سلك في طريق السلامة والاستقامة. وكما نقول هكذا في الاستواء والكون في تلك الجهة فكذا نقول في مثل قوله سبحانه (وهو معكم أينما كنتم) وقوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) وفي نحو (إن الله مع الصابرين) (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) إلى ما يشبه ذلك ويماثله ويقاربه ويضارعه، فنقول في مثل هذه الآيات: هكذا جاء القران، إن الله سبحانه وتعالى مع هؤلاء، ولا نتكلف تأويل ذلك كما يتكلف غيرنا بأن المراد بهذا الكون وهذه المعية هو كون العلم ومعيته، فإن هذه شعبة من شعب التأويل تخالف مذاهب السلف وتباين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم. وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوزه،

وهذا الحق ليس به خفاء فدعني من بنيات الطريق

وقد هلك المتنطعون ولا يهلك على الله إلا هالك، وعلى نفسها براقش تجني.

وفي هذه الجملة، وإن كانت قليلة، ما يغني من شح بدينه وحرص عليه من تطويل المقال وتكثير ذيوله وتوسيع دائرة فروعه وأصوله، والهداية من الله والله أعلم.

انتهت الرسالة المفيدة كما وجدت، ولله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وأصلي واسلم على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت