فهرس الكتاب

الصفحة 5310 من 27345

قلتُ: يا هذا! إن كنت ممن له إلمام بعلم الكلام الذي اصطلح عليه طوائف من أهل الإسلام، فإنه لا محالة قد رأيت ما يقوله كثير منهم ويذكرونه في مؤلفاتهم ويحكونه عن أكابرهم إن الله سبحانه وتعالى وتنزه وتقدس"لا هو جسم ولا جوهر ولا عرض ولا داخل العالم ولا خارجه"فأنشدك الله، أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي؟ وأي مبالغة في الدلالة على هذا النفي تقوم مقام هذه المبالغة؟ فكان هؤلاء القوم في فرارهم من شبه التشبيه إلى هذا التعطيل كما قال القائل:

فكنت كالساعي إلى مثعب موائلا في سبل الراعد

أو كالمستجير من الرمضاء بالنار، والهارب من لسعة الزنبور إلى لدغة الحية، ومن قرصة النملة إلى قضمة الأسد!

وقد يغني هؤلاء وأمثالهم من المتكلمين المتكلفين كلمتان من كتاب الله تعالى وصف بهما نفسه وأنزلهما على رسوله وهما (ولا يحيطون به علما) و (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فإن هاتين الكلمتين قد اشتملتا على فصل الخطاب وتضمنتا بما يعين أولي الألباب السالكين في تلك الشعاب، فالكلمة منها دلت دلالة بينة على أن كل ما تكلم به البشر في ذات الله وصفاته على وجه التدقيق ودعاوي التحقيق فهو مشوب بشعبة من شعب الجهل مخلوط بخلوط هي منافية للعلم ومباينة له. فإن الله سبحانه قد أخبرنا أنهم لا يحيطون به علما، فمن زعم أن ذاته كذا أو صفته كذا فلا شك أن صحة ذلك متوقفة على الإحاطة، وقد نفيت عن كل فرد من الأفراد علما، فكل قول من أقول المتكلمين صادر عن جهل، إما من كل وجه أو من بعض الوجوه، وما صدر عن جهل فهو مضاف إلى جهل، ولا سيما إذا كان في ذات الله وصفاته، فإن ذلك من المخاطرة في الدين ما لم يكن في غيره من المسائل. وهذا يعلمه كل ذي علم ويعرفه كل عارف. ولم يحط بفائدة هذه الآية ويقف عندها ويقتطف من ثمراتها إلا الممرون الصفات على ظاهرها المريحون أنفسهم من التلكلفات والتعسفات والتأويلات والتحريفات، زهم السلف الصالح كما عرفت. فهم الذين اعترفوا بـ (عدم) الإحاطة وأوقفوا أنفسهم حيث أوقفها الله، وقالوا: الله أعلم بكيفية ذاته وماهية صفاتهن بل العلم كله له، وقالوا كما قال من قال ممن اشتغل بطلب هذا المحال فلم يظفر بغير القيل والقال:

العلم للرحمن جل وجلاله وسواه في جهلاته يتغمغم

ما للتراب وللعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلم

بل اعترف كثير من هؤلاء المتكلفين بأنه لم يستفد من تكلفه وعدم قنوعه بما قنع به السلف الصالح إلا مجرد الحيرة التي وجد عليها غيره من المتكلفين، فقال:

………………….. وسرحت طرفي بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم

وها أنا أخبرك عن نفسي وأوضح لك ما وقعت فيه في أمسي، فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام وتارة علم التوحيد وتارة علم أصول الدين، وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم ورمت الرجوع بفائدة والعود بعائدة، فلم أضفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة وكان ذلك من الأسباب التي حببت إلي مذهب السلف، على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفا، وقلت عند ذلك في تلك المذاهب:

وغاية ما حصلته من مباحثي ومن نظري من بعد طول التدبر

هو الوقف ما بين الطريقين حيرة فما علم من لم يلق غير التحير

على أنني قد خصت منه غماره وما قنعت نفسي بغير التبحر

وأما الكلمة وهي (ليس كمثله شيء) فبها يستفاد نفي المماثلة في كل شيء، فيدفع بهذه الآية في وجه المجسمة وتعرف به الكلام عند وصفه سبحانه بالسميع البصير، وعند ذكر السمع والبصر واليد والاستواء ونحو ذلك مما اشتمل عليه الكتاب والسنة فتقرر بذلك الإثبات لتلك الصفات، لا على وجه المماثلة والمشابهة للمخلوقات فيدفع به جانبي الإفراط والتفريط، وهما المبالغة في الإثبات المفضية إلى التجسيم والمبالغة في النفي المفضية إلى التعطيل. فيخرج من بين الجانبين وغلو الطرفين حقيقة مذهب السلف الصالح، وهو قولهم بإثبات ما أثبته لنفسه من الصفات على وجه لا يعلمه إلا هو، فإنه القائل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت