فهرس الكتاب

الصفحة 5309 من 27345

فيالله وللمسلمين، ويالعلماء الدين من هذه الفواقر الموحشة التي لم يصب الإسلام وأهله بمثلها. وأغرب من هذا وأعجب وأشنع وأفضع أنهم بعد أن جعلوا هذه التعقلات التي تعقلوها على اختلافهم فيها وتناقضهم في معقولاتهما أصولا ترد غليها أدلة الكتاب والسنة جعلوها معيارا لصفات الرب تعالى، فما تعقله هذا من صفات الله قال به جزما، وما تعقله خصمه منها قطع به، فأثبتوا لله تعالى الشيء ونقيضه استدلالا بما حكمت به عقولهم الفاسدة وتناقضت في شانهن ولم يلتفتوا إلى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. بل إن وجدوا ذلك موافقا لما تعقلوه جعلوه مؤيدا له ومقويا، وقالوا قد ورد دليل السمع مطابقا لدليل العقل، وإن وجدوه مخالفا لما تعقلوه جعلوه واردا على خلاف الأصل ومتشابها وغير معقول المعنى ولا ظاهر الدلالة، ثم قابلهم المخالف لهم بنقيض قولهم فافترى على عقله بأنه قد تعقل خلاف ما تعقله خصمه وجعل ذلك أصلا يرد إليه أدلة الكتاب والسنة، وجعل المتشابه عند أولئك محكما عنده والمخالف لدليل عندهم موافقا له عنده، فكان حاصل هؤلاء أنهم يعلمون من صفات الله مالا يعلمه، وكفاك هذا وليس بعده شيء، وعنده يتعثر القلم حياء من الله سبحانه وتعالى وربما استبعد هذا مستبعد واستنكره مستنكر وقال إن في كلامي هذا مبالغة وتهويلا وتشنيعا وتطويلا وإن الأمر أيسر من أن يكون حاصله هذا الحاصل وثمرته مثل هذه الثمرة التي أشرت إليها.

فأقول خذ جملة البلوى ودع تفصيلها واسمع ما يصك سمعك، ولولا هذا الإلحاح منك ما سمعته ولا جرى القلم بمثله. هذا أبو علي وهو رأس من رؤوسهم وركن من أركانهم واسطوانة من اسطواناتهم، قد حكى عنه الكبار ـ وأخر من حكى عنه ذلك صاحب شرح القلائد (والله لا يعلم من نفسه إلا ما يعلم هو) فخذ هذا التصريح حيث لم تكتف بذلك التلويح وانظر هذه الجرأة على الله سبحانه وتعالى التي ليس بعدها جرأة. فيا لأم أبي علي الويل! أنهيق مثل هذه النهيق؟ ويدخل نفسه في هذا المضيق، وهل سمع السامعون بيمين افجر من هذه اليمين الملعونة أو نقل الناقلون كلمة تقارب معنى هذه الكلمة المفتونة أو بلغ مفتخر إلى ما بلغ هذا المختال الفخور؟ أوَصل من يفجر في أيمانه إلى ما يقارب هذا الفجور؟ وكل عاقل يعلم أن أحدنا لو حلف أن ابنه أو أباه لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو لكان كاذبا في يمينه فاجرا فيها، لأن كل فرد من الناس ينطوي على صفات وغرائز لا يحب أن يطلع عليها غيره ويكره على أن يقف على شيء منها سواه. ومن ذا الذي يدري ما يجول في خاطر غيره ويستكن في ضميره؟

ومن ادعى علم ذلك وأنه يعلم من غيره من بني آدم ما يعلمه ذلك الغير من نفسه ولا يعلم ذلك الغير من نفسه إلا ما يعلمه هذا المدعي فهو إما مصاب العقل يهذي بما لا يدري ويتكلم بما لا يفهم، أو كاذب شديد الكذب عظيم الافتراء. فإن هذا أمر لا يعلمه غير الله سبحان فهو الذي يحول بين المرء وقلبه و (يعلم) ما توسوس به نفسه وما يسر عباده وما يعلنون، وما يظهرون وما يكتمون، كما أخبرنا بذلك في كتابه العزيز في غير موضع. فقد خاب وخسر من أثبت لنفسه من العلم مالا يعلمه إلا الله من عباده. فما ظنك بمن تجاوز هذا وتعداه وأقسم بالله سبحانه وأن اله لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو؟ ولا يصح لنا أن نحمله على اختلال العقل، فلو كان مجنونا لم يكن رأسا يقتدي بقوله جماعات من أهل عصره ومن جاء بعده وينقلون كلامه في الدفاتر ويحكون عنه في مقامات الاختلاف. ولعل أتباع هذا ومن يقتدي بمذهبه لو قال لهم قائل وأرد عليهم مورد قول الله عز وجل ( ولا يحيطون له علما) وقوله (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) وقال لهم هذا يرد ما قال صاحبكم ويدل على أن يمينه هذه فاجرة مفتراة. لقالوا هذه ونحوه مما يدل دلالة ويفيد مفاده من المتشابه الوارد على خلاف دليل العقل، المدفوع بالأصول المقررة. وبالجملة فإطالة ذيول الكلام في مثل هذا المقام إضاعة للأوقات واشتغال بحكاية الخرافات المبكيات لا المضحكات.

وليس مقصودنا ههنا إلا إرشاد السائل إلى أن المذهب الحق في الصفات هو إمرارها على ظاهرها من غير تأويل ولا تحريف ولا تكلف ولا تعسف ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل، وإن ذلك هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم.

فإن قلت: وماذا تريد بالتعطيل في مثل هذه العبارات التي تكررها؟ فإن أهل المذاهب الإسلامية يتنزهون عن ذلك ويتحاشون عنه، ولا نصدق معناه ولا يوجد مدلوله إلا في طائفة من طوائف الكفار، وهم المنكرون للصانع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت