فهرس الكتاب

الصفحة 5308 من 27345

ولما كان الله قد تكفل بإظهار دينه على الدين كله وبحفظه عن التحريف والتغيير والتبديل، أوجد من علماء الكتاب والسنة في كل عصر من العصور من يبين للناس دينهم وينكر على أهل البدع بدعهم. فكان لهم ولله الحمد المقامات المحمودة والمواقف المشهودة في نصر الدين وهتك (أستار) المبتدعين.

وبهذا الكلام القليل الذي ذكرنا تعرف أن مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم هم إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف لها ولا تأويل متعسف لشيء منها، ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل يفضي إليه كثير من التأويل. وكانزا إذا سال سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل وأمسكوا عن القال والقيل، وقالوا: قال الله هكذا، ولا ندري بما سوى ذلك، ولا نتكلف ولا نتكلم بما لا نعلمه ولا أذن الله لنا بمجاوزته. ف'ن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه ونهوه عن طلب ما لايمكن الزصول إليه إلا بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول الله صلى الله هليه وسلم وحفظه التابعون عن الصحابة وحفظه من بعد التابعين عن التابعين وكان في هذه القرون الفاضلة الكلمة في الصفات متحدة والطريقة لهم جميعا متفقة وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به وكلفهم القيام بفرائضه من الإيمان بالله وإقام الصلاةوإيتاء الزكاة والصيام والحج والجهاد وإنفاق الأموال في أنواع البر وطلب العلم النافع وإرشاد الناس إلى الخير على اختلاف أنواعه والمحافظة على موجبات الفوز بالجنةوالنجاة من النار والقيام بالأمر بالمعروف والني عن المنكر والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة وبما تبلغ إليه القدرة، ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم الله بعلمه ولا تعبدهم بالوقوف على حقيقته فكان الدين إذ ذاك صافيا عن كدر البدع خالصا عن شوب قذر التمذهب، فعلى هذا النمط كان الصحابة رضي الله عنهم والتابعون وتابعوهم، وبهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتدوا وبأفعاله وأقواله اقتدوا. فمن فال إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو في غيرها فقد أعظم عليهم الفرية وليس بمقبول في ذلك، فإن أقوال الأئمة المطلعين على أحوالهم العارفين بها الآخذين لها عن الثقاة الأثبات يرد عليه ويدفع في وجهه، يعلم ذلك كل من له علم ويعرفه كل عارف. فاشدد يدك على هذا.

واعلم أنه مذهب خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات، وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون واصطلحوا عليها وجعلوها أصلا يرد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن وافقها فقد وافق الأصول المتقررة في زعمهم، وإن خالفها فقد خالف الأصول المتقررة في زعمهم ويجعلون الموافق لها من قسم المقبول والمحكم والمخالف لها من قسم المردود والمتشابه، ولو جئت بألف آية واضحة الدلالة ظاهرة المعنى أو ألف حديث مما ثبت في الصحيح لم يبالوا به ولا رفعوا إليه رؤوسهم ولا عدوه شيئا، ومن كان منكرا لهذا فعليه بكتب هذه الطوائف المصنفة في علم الكلام، فأنه سيقف على الحقيقة وسيلم هذه الجملة ولا يتردد فيها.

ومن العجب العجيب والنبأ الغريب أن تلك العبارات الصادرة عن جماعة من أهل الكلام التي جعلها من بعدهم أصولا لا مستند لها إلا مجرد الدعوى على العقل والفرية على الفطرة وكل فيد من أفرادها قد تنازعت فيه عقولهم وتخالفت عنده إدراكاتهم، فهذا يقول حكم العقل في هذا الكلام كذا، وهذا يقول حكم العقل في هذا كذا، ثم يأتي بعدهم من يجعل ذلك الذي يعقله من يقلده ويقتدي به اصلا يرجع إليه ومعيارا لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، يقبل منهما ما وافقه ويرد ما خالفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت