3-فتنة اليأس والقنوط من ظهور الحق وانتصاره أمام تكالب الأعداء وتمكنهم وتسلطهم على أهل الخير بالأذى والابتلاء: مما قد يؤدي ببعض أهل الغربة إلى اليأس، وترك الدعوة حين يرى 'إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا، وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة، وهو مهمل منكر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئًا... فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى، وكان الابتلاء أشد وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله' [في ظلال القرآن 5/2719، 2720 -باختصار-] .
وإن فتنة اليأس والإحباط وترك الدعوة إلى الله في عصور الغربة لا تقف عند حد؛ بل قد تؤدي بصاحبها- والعياذ بالله- إلى الضعف والنقص في دينه شيئًا فشيئًا أمام فتن الشبهات والشهوات؛ ذلك لأن أيامَ الغربةِ أيامُ فتنٍ وإغراءات، وفشو منكرات، وظهور وتمكين لأهل الباطل والفساد.
فإن لم يكن للمسلم فئة صالحة- ولو كانت قليلة- يأوي إليها، ويدعو معها إلى الله -حسب الوسع والطاقة- ؛ فإنه لا بد أن يتأثر بالفساد وأهله- إلا من رحم الله- ومن غير المقبول أن يبقى المسلم محافظًا على دينه أمام الغربة، وهو تارك للدعوة، بعيد عن أهلها، فإما أن يؤثّر أو يتأثّر.
نعم.. يمكن أن يترك المسلم الدعوة، ويبقى محافظًا على دينه في حالة الاعتزال التام عن الناس في شعف من الجبال، ولا إخال هذا متيسرًا في هذا الزمان، ثم لو كان ذلك ممكنًا: فمن ذا الذي يدعو إلى الله، ويواجه الفساد.
إذن: فلن ينجو من فتنة الغربة في أي زمان أو مكان إلا أحد رجلين:
إما مجاهد في سبيل الله، داع إلى الخير، آمر بالمعروف، وناهٍ عن المنكر.
أو رجلٌ معتزلٌ عن الناس في مكان من الأرض يعبد ربه، ولا يخالط الناس.
وما سواهما فهو على شفا هلكة، ولعل هذا ما يفهم من الحديث الذي رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: [مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ] .
4-فتنة العجلة، وقلة الصبر على الأذى في الغربة: مما يؤدي ببعض من يقاسي ضغوطها إلى التسرع والاصطدام مع أهل الفساد دون مراعاة للمصالح والمفاسد؛ فينشأ من جرّاء ذلك فتنة أشد، وفساد أكبر على أهل الغربة.
من:'فتن.. يجب الفرار منها' للشيخ/عبد العزيز بن ناصر الجليل