فهرس الكتاب

الصفحة 18976 من 27345

وفي هذا رد على من يفهم من أحاديث الغربة انحسار الإسلام، وعدم الأمل بعودته، وهذا ما يفهمه كثير من اليائسين من هذا الحديث، وفي كلام شيخ الإسلام السابق رد على هذا الفهم الخاطئ، وذلك أن الإسلام إذا عاد غريبًا كما بدأ، فإنه سيعود قويًا ظاهرًا كما حصل ذلك بعد غربة الإسلام الأولى.

وهذا الفهم الصحيح هو الذي تشهد له أحاديث صحيحة كثيرة منها:

قوله صلى الله عليه وسلم: [ إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا...] رواه مسلم .

قوله صلى الله عليه وسلم: [لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ] رواه أحمد.

6-الغربة في شدتها وعظم أجر أهلها ليست على رتبة واحدة وإنما هي متفاوتة، فهناك غربة أهل الإسلام بين أهل الأديان الكافرة، وأشد منها غربة أهل السنة والإيمان بين أهل الإسلام والفرق الضالة من أهل القبلة. وأشد منها غربة أهل العلم بين عامة أهل السنة. وأشد منها غربة العلماء المجاهدين الصابرين بين أهل العلم القاعدين. وهؤلاء هم الذين قال عنهم ابن القيم رحمه الله:'هم أهل الله حقًا فلا غربة عليهم' وهم الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ] قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ قَالَ: [بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ] رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة.

7-أهل الغربة وإن كانوا قلة فهم السعداء حقًا ولا وحشة عليهم، وإن خالفهم أكثر الناس؛ فحسبهم راحةً وطمأنينةً أنهم في قافلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

مظاهر الغربة في زماننا اليوم:

يمكن إجمال أهم مظاهر الغربة في الأزمنة الحاضرة اليوم فيما يلي:

1-غربة في العقيدة: فلا يوجد مَنْ هو متمسك بعقيدة السلف من جميع جوانبها إلا القليل من الناس؛ حيث تنتشر الخرافة والشركيات، والبدع في أكثر بلدان المسلمين.

2-غربة في تطبيق الشريعة والتحاكم إليها: فلا يُحكم اليوم في أكثر بلدان المسلمين إلا بأحكام الإفرنج الكافرة.

3-غربة في الالتزام بأحكام الإسلام: سواء ما كان منها بين العبد وربه، أو بين العبد وبين الخلق؛ فلا يوجد الملتزم بها إلا القليل.

4-غربة في السلوك والأخلاق الفاضلة، وتزامن ذلك مع انفتاح الدنيا، وكثرة الشهوات.

5-غربة أهل الحق ودعاة الإسلام، وتسلط الأعداء عليهم، وإيذاؤهم لهم بأشد أنواع الأذى والنكال.

6-غربة في عقيدة الولاء والبراء: حيث مُيّعَتْ هذه العقيدة عند كثير من الناس، وأصبح ولاء أكثرهم وحبهم وبغضهم للدنيا فحسب.

7-غربة في أهل العلم: حيث قلّ أهل العلم الشرعي الصحيح، وانتشر الجهل، وكثرت الشبهات، وقلّ العاملون بالعلم والداعون إليه.

مظاهر الفتنة في أزمنة الغربة: إن من أشد ما يخشى على أهل الإسلام في أزمنة الغربة أربعة مظاهر من الفتن يمكن إجمالها فيما يلي:

1-الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشبهات: والتأثر بأهلها الذين هم الأكثرية في عصور الغربة، مما يحصل معه السقوط في فتن الشبهات سواء ما يتعلق منها بالعقائد، أو الأعمال، أو المخالفات الشرعية الأخرى، وتسويغ ذلك بشبهة شرعية تبرز عادة في غيبة الحق، وفشو الجهل.

2-الفتنة التي تنشأ من الوقوع في الشهوات: التي تطمّ وتنتشر عادة في عصور الغربة، وقلة أهل الحق، وانفتاح الدنيا بزخرفها على الناس؛ فلا يكاد يثبت ويستقيم على أمر الله مع كل هذه الضغوط إلا القليل الذين يعتصمون بالله، ويقومون بأمره، ويدعون إلى سبيله، أما الكثرة الكاثرة الذين ضعف صبرهم، فتراهم يتنازلون عن دينهم شيئًا فشيئًا أمام مظاهر الغربة الفاتنة؛ سواء كان ذلك التنازل في العقيدة، أو السلوك، أو التزام الأحكام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت