فكان لسانهم منهم دائماً على بال حتى: ( يضع أبو بكر الصديق - رضي الله عنه- الحصاة في فيه ويمنع نفسه عن الكلام ، وكان يشير إلى لسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد ..
وحتى يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان ..
ويقول الحسن: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه [15]
ويقول ابن عمر - رضي الله عنه -: إن أحق ما طهر الرجل لسانه
وحتى يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (من مزح استُخِفّ به ) .
هكذا كانوا ، وبهذا حفظ لهم التاريخ تلك العلامات المضيئة على صفحته
وهكذا يجب أن يكون كل من يريد أن يحمل تبعة التمكين لدين الله في الأرض .
الدعاة والموعظة الحسنة إن الله سبحانه يدفع عباده دائماً - والدعاة إليه منهم خاصة - ليقولوا التي هي أحسن ، وأن يتخلقوا بالقول اللين
فنجده سبحانه يأمر موسى وهارون -عليهما السلام- وهما مرسلان إلى أعتى الطواغيت ، أن يتخلقا به فيقول: [ فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ] [طه 244]
( فالقول اللين لا يثير العزة بالإثم ، ولا يهيج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة ، ومن شأنه إنه يوقظ القلب فيتذكر ويخشى عاقبة الطغيان ) [16]
وهكذا فمن أدب وفقه الكلمة أن تعرف وتحسن كيف تدعو .
ثم الله سبحانه تعالى يوجه رسوله - صلى الله عليه وسلم - ذلك التوجيه الكريم ، ولمن كان يرجو الله واليوم الآخر في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة .
فيقول سبحانه: [ ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ] [النحل 125]
فاللسان هو وسيلة البيان ، ووسيلة البلاغ ، ولكن لا بد لهذا البيان وذلك البلاغ من أدب وفقه
( والله تعالى يرسي هنا القواعد والمبادئ ويعين الوسائل والطرائق ، ويرسم المنهج لمن كان في موضع البلاغ .. فمن الحكمة النظر في أحوال الخاطبين وظروفهم والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة ، والطريقة التي يخاطبهم بها ، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها ..
والموعظة الحسنة تدخل إلى القلوب برفق ، وتتعمق المشاعر بلطف ، ذلك والجدل بالتي هي أحسن ، بلا تحامل على المخالف ، ولا إزراء به ولا تقبيح يجعله يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل ، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق ) [17] .
( وهكذا فالناس دائماً في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة وإلى بشاشة سمحة وإلى ود يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم ، وضعفهم ، ونقصهم .. في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه ويجدون عنده دائماً الاهتمام والرعاية ، والعطف والسماحة والود والرضاء ..
وهكذا كان قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة ، وهكذا كانت حياته مع الناس ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري
[ ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ ] [آل عمران 159] ) [18]
أي ( فاعف عنهم فيما يختص بك واستغفر لهم فيما لله تعالى ) [19] .
فما أحوج الدعاة إلى الله إلى أن يعوا مسؤوليتهم ويحملوا تبعتهم وأن يضيئوا طريقهم بهديه - صلى الله عليه وسلم - .
كلمة أخيرة إن الكلمة وسيلة البلاغ ، وإن للكلمة لفقهاً ..
فعلى من يقف في موقف البلاغ أن يعي ( أن المبلغ عن الله(بين الله وعباده) يجب أن يكون أداة صالحة .
ولذلك يقول ابن القيم في قول الله: [ واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ] [طه 41] بمعنى الاصطفاء لموسى ، قال ابن عباس: اصطفيتك لوحي ورسالتي . وكون المبلغ عن الله أداة صالحة فإنها لا يجب أن تتجاوز حدود الأداة والسبب ، فسببية الدعاة إلى الله تحمي الدعاة من ثلاثة أخطار:
أولاً: خطر الغرور ، إذا تحققت الاستجابة . والاعتقاد أن الداعية مجرد سبب في الهداية يحميه من هذا الشعور .
ثانياً: خطر اليأس ، إذا كان الإعراض . ذلك أن الداعية يشعر أنه أدى ما عليه وأن الأمر بيد الله .
والأمر الثالث: هو خطر الخروج بالدعوة عن موضعها بملاحقة من لا يستحقون الدعوة ، وإهمال دعوة من يستحقون الدعوة .
ويجب على الداعية المبلغ عن الله أن يجمع كل سنن التأثير في النفس البشرية ..
سنة العمل: فلا يخالف قوله عمله
وسنة القدوة: فيكون هو النموذج العملي للمنهج ،
وسنة المنفعة: وهو تأليف القلوب وإقامة الحجة مثلما جاء من قصة أصحاب الأخدود ،
التواضع ف ( أكثر الجهالة إنما رسخت في قلوب العوام بتعجب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال ونظروا إلى الضعفاء والخصوم بمعنى التحقير والازدراء ، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها ) [20]
وسنة القوة: إذ أن التخلف والضعف يصدان عن اتباع الحق [21] .