ولا شكَّ أنَّ مَن عَرَفَ اللهَ عزَّ وجَلَّ، وأدرك آلاءَه العظيمة ونَعْماءه الجسيمة؛ أكثرَ مِن حَمْدِ الله جلَّ جلالُه؛ حتى يَصِيرَ ذلك دَيْدَنه فيكون مِن الشاكِرِين. قال القرطبي رحمه الله:"رُوي عن ابن عباس أنه قال: (الحمد لله) كلِمةُ كلِّ شاكرٍ، وإنَّ آدمَ عليه السلام قال حين عطسَ: الحمد لله، وقال الله لنوح عليه السلام: (فقل الحمدُ لله الذي نَجَّانا مِن القومِ الظالِمِين) ، وقال إبراهيم عليه السلام: (الحمدُ لله الذي وَهَبَ لي على الكِبَرِ إسماعيلَ وإسحق) ، وقال في قصةِ داود وسليمان: (الحمدُ لله الذي فَضَّلَنا على كثيرٍ مِن عِبادِه المؤمنين) ، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وقلِ الحمد لله الذي لم يتخِذْ وَلَدًا) ، وقال أهلُ الجنة: (الحمدُ لله الذي أذْهَبَ عنَّا الْحَزَنَ) ، (وآخَرُ دَعْواهم أن الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين) ؛ فهي كَلِمةُ كلِّ شاكرٍ". [16]
وإنَّ العبدَ إذا صارَ قلبُه عامرًا بشُكرِ الله وذِكْرِ نعمائه؛ ازدادَ سَعادةً ونِعْمةً؛ فتنهال البشائر عليه، وتزدادُ النِّعَمُ الباهرةُ بين يديه؛ كما قال عزَّ وجل: (وإذْ تأذَّنَ ربُّكم لئن شَكَرْتُم لأزِيدنَّكم) . [17] وقال تعالى: (فاذكُرُوني أذْكُرْكم واشْكُروا لي ولا تَكْفُرُون) ، [18] قال السعدي رحمه الله:"ذِكْرُ الله تعالى أفضلُ ما تواطأ عليه القلبُ واللِّسان، وهو الذِّكْرُ الذي يُثْمِرُ معرفةَ الله، ومَحبَّتَه، وكثرةَ ثَوابِه. والذِّكرُ هو رأسُ الشُّكر؛ فلهذا أمَرَ به خُصُوصًا، ثم مِن بعده أمَرَ بالشُّكرِ عُمومًا فقال: (واشْكُروا لي) : أي على ما أنعمتُ عليكم بهذه النعم، ودفعتُ عنكم صُرُوفَ النِّقَم. والشُّكرُ يكون بالقلبِ إقرارًا بالنِّعَمِ واعتِرافًا، وباللِّسان ذِكْرًا وثناءً، وبالجوارح طاعةً لله، وانقيادًا لأمرِه، واجتنابًا لِنَهيِه، فالشُّكرُ فيه بقاءُ النعمةِ الموجودة، وزيادةُ في النعم المفقودة. قال تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنّكم) "! [19]
وما أحْسَنَ ما قِيل:
الشكرُ أفضلُ ما حاولتَ مُلتمساٍ*** به الزيادةَ عند الله والناس!
[1] الأحقاف 15.
[2] الإسراء 3.
[3] النحل 120-121.
[4] آل عمران 144. وقال عزَّ وجلَّ: (وسنجزي الشاكرين) ، آل عمران 145.
[5] إبراهيم 7.
[6] الأنعام 53.
[7] رواه مسلم
[8] يوسف 38.
[9] النمل 40.
[10] الزمر 7.
[11] سبأ 13.
[12] الجامع لأحكام القرآن 14/276-277.
[13] مسند أحمد 5/292. المكتب الإسلامي بيروت.
[14] البقرة 164.
[15] ص 79
[16] الجامع لأحكام القرآن 1/134.
[17] إبراهيم 7.
[18] البقرة 152.
[19] تيسير الكريم الرحمن ص 74.