فهرس الكتاب

الصفحة 4444 من 27345

إذا كان الكاتب قد التزم الاتزان في العبارة ، والهدوء في المناقشة والرد - وهو خُلق جيد -، فإنه هنا وإن لم يخرج عن هذا الإطار إلا أنه استخدم عباراتٍ أشد وأسلوبًا أقوى مع أصحاب هذا الاتجاه ، ولعل ذلك عائد إلى أنه عدّ بعضهم ممن يريد الكيد للإسلام وأهله ، وبعضهم ممن أقحم نفسه في هذا المجال وليس من أصحابه ، فنجد المؤلف في هذا الفصل بعد أن ذكر أن الإسلام بُلي بقوم كادوا له ، وعملوا على هدمه ، نراه يقول بعد ذلك: مني الإسلام بهذا من أيامه الأولى ، ومني بمثل هذا في أحدث عصوره ، فظهر في هذا القرن أشخاص يتأولون القرآن على غير تأويله ، ويلوونه إلى ما يوافق شهواتهم ، ويقضي حاجات نفوسهم... فمنهم من حسب أن التجديد ولو بتحريف كتاب الله تعالى سبب لظهوره وشهرته في المحيط العلمي ، فذهب يفسر كتاب الله تفسيرًا لا تقره لغة القرآن ، ولا يتفق مع قواعد الدين العامة ، ومنهم من تلقى من العلم حظًا يسيرًا لا يرقى به إلى مستوى العلماء ، ولكنه اغتر بما لديه فحسب أنه بلغ مبلغ الراسخين في العلم ، ونسي أنه قل في علم اللغة نصيبه ، وخف في علم الشريعة وزنه ،... فأخذ يهذي بأفكار فاسدة تتنافى مع ما قرره علماء اللغة وأئمة الدين.

بهذا الأسلوب وبهذه الروح تناول الكاتب أصحاب هذا الاتجاه.

ومن أصحاب هذا المنهج: صاحب كتاب"الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن"، وقد ثار على هذا الكتاب علماء الأزهر حتى صودر ومنع ، فقد تسلط صاحب هذا التفسير على معجزات الأنبياء وجردها من معانيها الإعجازية ، فلا عيسى عنده ينفخ في الطين فيصير طيرًا بإذن الله ، ولا هو يبرئ الأكمه والأبرص ولا يحيي الموتى بإذن الله. ومما نقله عنه المؤلف في تفسيره لقوله تعالى (( وسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنَّا فَاعِلِينَ ) ) [الأنبياء:79 ] ، يقول: (( يُسَبِّحْنَ ) )يعبر عما تظهره الجبال من المعادن التي كان يسخرها داود في صناعته الحربية ، (( والطَّيْرَ ) )يطلق على كل ذي جناح ، وكل سريع السير من الخيل والقطارات البخارية والطيارات الهوائية ، وفسر قوله تعالى: (( ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) ) [الأنبياء:81 ] يقول: (( تَجْرِي بِأَمْرِهِ ) )الآن تجري بأمر الدول الأوربية وإشاراتها في التلغراف والتلفونات الهوائية.

فليس بعد ذلك من عجب أن يقسو الذهبي -رحمه الله-على هذا المفسر ويقول عنه: وهذا بلا شك خروج صريح عن مدلولات النصوص القرآنية وإلحاد في آيات الله سبحانه وتعالى.

وبعد ، فهذا هو الكتاب كما قرأته ، لا يخلو كل قارئ له من أن يصل في نهايته إلى معرفة الانحرافات التي قد ترد على كتب التفسير وأسبابها ، ولا يخلو القارئ كذلك أن يستنتج من إجمال الكتاب المنهج الصحيح في التفسير ، الذي به نستطيع قبول قول المفسر أو رده ، ولم يتوسع - رحمه الله - في ذلك ، ولم يعرضه عرضًا مستقلًا ، لأن عنوان الكتاب مقصور على الاتجاهات المنحرفة ، ولكن يمكن أن نستنتج جانبًا من ذلك من خلال كلامه وردوده ، فأهم مقومات المنهج الصحيح فيما ذكر: الاهتمام بالأسانيد وتمحيصها ليعلم الصحيح من الدخيل ، ويضاف إلى ذلك التجرد في تناول الآيات القرآنية دون إخضاعها لمؤثرات ومقررات سابقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت