فهرس الكتاب

الصفحة 13397 من 27345

فالحق في الحقيقة لا يطيقه كل الناس لأنه شديد وصعب ومرّ المذاق على النفوس ، ولهذا كان من شرط الإيمان أن لا يعتقدوا الحق فقط وإنما يتواصون به ، لأن الإنسان ربما يضله الهوى وتجره القرابة أو تلفته بعض العلائق فيتجاوز الحق ، وفي تجاوز الحق هلكة التي لا حياة بعدها . وإنما يجب دائمًا أن يتواصوا بالحق ، ولهذا فنحن نعلم من أخلاق ومسالك أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم أنهم إذا التقى منهما اثنان سلم الواحد منهم على الآخر وأخذ يده مصافحًا إياه وقرأ كل واحد منهما على الآخر ( والعصر ، إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) يقرأ بعضهم على بعض هذه السورة مع كل لقاء لكي يتذكر المسلمون دائمًا أنهم ممثلو الحق والقائمون على الحق في هذه الدنيا .

والشيء الثاني هو التواصي بالمرحمة ، دخل رجل على النبي عليه الصلاة والسلام وعنده الحسن أو الحسين ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقبله ، وهذا أعرابي ، والأعراب نعرة نستعيذ بالله منها ، فكأن هذا الأعرابي استنكر أن يقبل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصبي . فقال: يا رسول الله أتقبله ؟ قال: ولمَ ؟ قال: يا رسول الله إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحد منهم قط . ونظر إليه النبي الحنون والعطوف وقال له: وماذا أملك لك إذا كان الله قد نزع الرحمة من قلبك .

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: من لا يرحم لا يُرحم ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء . التواصي بالمرحمة هو نظر رقيق إلى عواقب ما فيه ابن آدم ، مثلًا: ترى إنسانًا فقيرًا فتشعر بهذا الانعطاف النبيل والطيب والطاهر ، ماذا يكون من شأن هذا لو أنه استمر في هذا الفقر المدقع ، ألا يشرف على الجوع والهلكة ؟ فتأخذك الشفقة والمرحمة فتعينه .

تمرّ على الإنسان الآخر تراه واقعًا تحت الظلم يعذب ويهان فتتساءل: وإلى متى ؟ وإذا كانت السماوات والأرض قامتا على الحق والعدل فكيف يكون صلاح الناس إذا أُخل بالعدل وبالحق ؟ فتأخذك الرحمة فتنتصر للمظلوم . وإذًا فالتواصي بالمرحمة هو استحياء مستمر لهذا الشعور العظيم النبيل الذي يجعلك وقافًا مع أعلى ما في الحياة الإنسانية من مستويات النبل والكرامة والشرف .

( أولئك أصحاب الميمنة ) ودائمًا حيثما مرّ معكم لفظ الميمنة فالمراد به التعبير عن رضوان الله تعالى ، وحيثما مرّ معكم التعبير بالمشئمة فذلك كناية عن سخط الله جلا وعلا .

( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا هو أصحاب المشئمة ، عليهم نار مؤصدة ) أي أن الله تعالى أعدّ للمؤمنين الذين يتواصون بالصبر وبالحق وبالرحمة والشفقة على عيال الله ، والخلق كلهم عيال الله كما قال عليه الصلاة والسلام وأحبهم إلى الله أبرهم وأشفقهم إلى عياله ، هؤلاء هو أصحاب اليمين الذين ينالهم الله برحمة منه . وأما العتاة والكفرة والفساق وقساة القلوب فهو الذين توعّدهم الله تعالى بأن يدخلهم جهنم ليذيقهم العذاب الأليم .

حبذا لو كان لدي بعض الوقت لأنتهي من سورة الطارق ، وأفرغ لما بعدها ، ولكن لا بأس أن نكتفي بهذا القدر الذي قلناه ، وأنا أرجو أن يعود كل واحد منكم دائمًا إلى القرآن يستفتيه ويسأله ويتدبر في آياته ، فتحت كلمة من كلمات الله عالم مضيء من الطهر والعفاف والكرامة والشهامة والاستقامة . اتركوا هذا الواقع المرّ الوبيئ البغيض الذي يعيش فيه الناس تافهين كما يعيش الدود لا همّ لهم إلا الشهوات والعواطف الرخيصة والدوافع الخبيثة .. اتركوا هذا كله ، هذا لا يعمر الحياة ولا يفيء الاطمئنان على الناس ، وعيشوا مع القرآن وعانقوا المثل العليا وتعوّدوا على أن تكونوا أكبر من ذواتكم .. تعوّدوا على أن تكونوا مؤمنين تجدون أنفسكم أكبر من الدنيا وما فيها ، في حديث يروى عن الله جلا وعلا من الأحاديث القدسية: ما وسعتني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن .

إن الإنسان المؤمن إذا سكنت قلبه معاني الإيمان كان أكبر من الكون كله ، فارفعوا أنفسكم عن الصغائر وعيشوا مع الله ومع حقائق كتابه ومع حقائق نبيه صلى الله عليه وسلم ، والله المستعان .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت