وقال ابنُ كثيرٍ عند تفسيرِ الآية:"أَيْ لَا يَقُومُونَ مِنْ قُبُورهمْ يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا كَمَا يَقُوم الْمَصْرُوع حَال صَرْعه وَتَخَبُّط الشَّيْطَان لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَقُوم قِيَامًا مُنْكَرًا".ا.هـ.
وقال الشوكاني في"فتح القدير":"وفي الآيةِ دليلٌ على فسادِ قولِ من قال: إنّ الصرعَ لا يكونُ من جهةِ الجنِّ ، وزعم أنهُ من فعلِ الطبائعِ ، وقال: إن الآيةَ خارجةٌ على ما كانت العربِ تزعمهُ من أن الشيطانَ يصرعُ الإنسانَ ، وليس بصحيحٍ ، وإن الشيطانَ لا يسلك في الإنسانِ ولا يكونُ منه مس".ا.هـ.
وقال الشيخُ محمدُ بنُ صالحٍ العثيمين عند تفسيرها (3/376) :"ومنها - أي من فوائد الآيةِ - أن الشيطانَ يتخبطُ بني آدم فيصرعهُ ؛ ولا عبرة بقولٍ من أنكر ذلك من المعتزلةِ وغيرهم ؛ وقد جاءتِ السنةُ بإثباتِ ذلك ؛ والواقعُ شاهدٌ به ؛ وقد قسم ابنُ القيمِ - رحمهُ اللهُ - في زاد المعاد الصرعَ على قسمين: صرع بتشنجِ الأعصابِ ؛ وهذا يدركهُ الأطباءُ ، ويقرونه ، ويعالجونهُ بما عندهم من الأدويةِ ، والثاني: صرع من الشيطانِ ، وذلك لا علم للأطباءِ به ، ولا يعالجُ إلا بالأدويةِ الشرعيةِ كقراءةِ القرآنِ ، والأدعيةِ النبويةِ الواردةِ في ذلك".ا.هـ.
وأكتفي بنقولِ هؤلاءِ الأئمةِ ولو تتبعتُ كلامَ غيرهم في تفسيرِ الآيةِ لطال المقامُ ، ولا أدري هل هؤلاءِ أعلمُ أم الدكتور طارق - غفر اللهُ له - ؟
الدليلُ الثاني:
عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ:"أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟"، قُلْتُ:"بَلَى"، قَالَ:"هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ ؛ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ:"إِنِّي أُصْرَعُ ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ ، فَادْعُ اللَّهَ لِي"، قَالَ:"إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ"، فَقَالَتْ:"أَصْبِرُ"، فَقَالَتْ:"إِنِّي أَتَكَشَّفُ ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ"، فَدَعَا لَهَا ."
أخرجهُ البخاري (5652) ، ومسلم (2576) .
قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في"الفتحِ" (10/115) :"وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْ الطُّرُق الَّتِي أَوْرَدَتْهَا أَنَّ الَّذِي كَانَ بِأُمِّ زُفَر كَانَ مِنْ صَرْع الْجِنّ لَا مِنْ صَرْع الْخَلْط".ا.هـ.
المنكرون لتلبس الجنِّ بالإنس:
لقد أنكرت طوائفُ تلبسَ الجنِّ بالإنس وهم بعضُ المعتزلةِ والرافضةِ والمدرسةِ العقليةِ ، قال السيوطي في"لقط المرجانِ" ( ص 134 ) :"أنكرَ طائفةٌ من المعتزلةِ دخولَ الجنِّ في بدنِ المصروعِ".ا.هـ.
ونقل أبو الحسن الأشعري في"مقالاتِ الإسلامين" ( ص 61 ) عن أصحابِ هشامِ بن الحكمِ قولهم عن الجنِّ:"فعلمنا أنه يوسوسُ ، وليس يدخلُ أبدانَ الناسِ".ا.هـ.
وزعم الزمخشري في"الكشافِ" (1/164) فقال:"وتخبطُ الشيطانِ من زعماتِ العربِ ، يزعمون أن الشيطانَ يخبطُ الإنسانَ فيصرعُ".ا.هـ.
وتعقبهُ البقاعيُّ في"تفسيرهِ" (4/111) فقال:"وظاهرهُ إنكارُ ذلك ، وليس بمنكرٍ ، بل هو الحقُّ الذي لا مريةَ فيه".ا.هـ.
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في"الفتاوى" (19/12 - 13) :"أنكر طائفةٌ من المعتزلةِ كالجبائي وأبي بكرٍ الرازي وغيرهما دخولَ الجنِّ في بدنِ المصروعِ ، ولم ينكروا وجودَ الجنِّ ، إذ لم يكن ظهورُ هذا في المنقولِ عن الرسولِ كظهورِ هذا ، وإن كانوا مخطئين في ذلك . ولهذا ذكر الأشعري في مقالاتِ أهلِ السنةِ والجماعةِ أنهم يقولون: إن الجني يدخلَ بدن المصروعِ كما قال تعالى:"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" [ البقرة: 275 ] ، وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبل: قلتُ لأبي:"إن قومًا يزعمون أن الجني لا يدخلُ في بدنِ الإنسي"، فقال:"يا بني ؛ يكذبون ، هو ذا يتكلمُ على لسانهِ". وهذا مبسوطٌ في موضعهِ".ا.هـ.
وأكتفي بهذا القدر ، وأسألُ اللهَ أن يوفق الدكتور طارق سويدان للعملِ بالكتابِ والسنةِ ، وقد ختم مقالهُ بقولهِ:"والبعض ممن يروجون لهذه الأوهام يستدلون بأحاديث وآيات ليس فيها أي دليل على ذلك".
فاقولُ: أسألُ اللهَ لك الهدايةَ ، أصبح الاستدلالُ بالآياتِ والأحاديث التي ذُكرت آنفًا أوهامًا يا دكتور طارق ! وأيضًا ليس فيها أيُّ دليلٍ !