فهرس الكتاب

الصفحة 18360 من 27345

والحقيقة أنَّ كلَّ الروايات التي يسردها المؤرخون مفادُها تعثُّر قَرَأة كتاب الله مِن عامة الناس وخاصتهم، وهي تفسيرٌ لمشاعر الخوف الذي لابس المسلمين مِنْ جرَّاء شيوع اللحن.

ويضاف إلى العوامل السابقة في نشأة النحو الحاجة إلى فهم مناحي التركيب اللغوي ليصار إلى التعامل مع القرآن والاستنباط من أحكامه، وقد عدَّ العلماء الإحاطة بعلوم اللغة والنحو والتصريف من العلوم الرئيسة التي يحتاج إليها المفسِّر لكتاب الله [20] ، ومن هنا نشأ لدى السلف كراهية شديدة تجاه ظاهرة اللحن، وحَضٌّ على اكتساب العربية والتفقه في مواردها، فالخليفة الراشد عمر يقول: «تَفَقَّهوا في العربية؛ فإنها تُشَبِّب العقل وتزيد في المروءة» [21] . وقال أُبَيُّ بن كعب: «تعلموا العربية كما تتعلَّمون حِفْظ القرآن» [22] .

وهذا قتادة يقول: «لاأسأل عن عقل رجل لم يدلَّه عقله على أن يتعلَّم من العربية ما يُصْلح به لسانه» [23] ، أمَّا الأصمعيُّ فيخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعدَه من النار) لأنَّه لم يكن يلحن، فمهما رَوَيْتَ عنه ولَحَنْتَ فقد كَذَبْتَ عليه» [24] .

وهكذا جَدَّ علماء العربية من السلف، واجتهدوا إلى أن أقاموا صرح علمٍ من العلوم الإسلامية التي لا يَسْتغني عنها أحد من طلبة العلم، وأصبحت العربية من الدين نفسه، وأصبح تعلمها لفهم مقاصد الكتاب والسنة قربة إلى الله، وعدَّ كثير من العلماء تعلُّمها واجبًا على المرء.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية [25] : «واعلم أنَّ اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًا بَيِّنًا، ويؤثِّر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق. وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجب؛ فإنَّ فَهْمَ الكتاب والسنة فرض، ولايُفْهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لايتمُّ الواجب إلا به فهو واجب» . وكان أبو عمرو بن العلاء يَعُدُّ العربية من الدين لاتنفصل عنه ولا ينفصل عنها، فبلغ ذلك عبد الله بن المبارك فقال: صدق [26] .

وبذلك تتضح لنا الصورة بجلاء، فعلوم النحو والصرف والإعراب مرتبطة من حيث نشأتها ونشاط أعلامها، بالحرص على لغة القرآن لكيلا يعروَها لحن، والحرص على فهم معاني كتاب الله وتدبُّر آياته.

[1] مراحل تطور الدرس النحوي 28 .

[2] المفصل في تاريخ النحو العربي 32 .

[3] أصول علم العربية في المدينة 286 .

[4] المستدرك 2 / 439 ، كتاب التفسير، تفسير سورة السجدة. وقال: صحيح الإسناد.

[5] الجامع لأحكام القرآن1/24. وانظر نزهة الألباء 8.

[6] طبقات النحويين 28.

[7] الآية (22) من سورة السجدة ، وانظر: البيان والتبيين 2/218.

[8] المدارس النحوية 12.

[9] المفصل في تاريخ النحو 31.

[10] طبقات النحويين 11.

[11] إيضاح الوقف والابتداء 1/31.

[12] مراتب النحويين 24.

[13] نزهة الألباء 8، والآية (37) من سورة الحاقة.

[14] المفصل في تاريخ النحو العربي 101.

[15] انظر: الإيضاح للزجاجي 89، وفيات الأعيان 2/ 535، نزهة الألباء 6.

[16] المدارس النحوية 18.

[17] المقدمة 548.

[18] المقدمة 546.

[19] المفصل في تاريخ النحو العربي73.

[20] الإتقان 1/ 146،180، 2/174.

[21] طبقات النحويين 13.

[22] تنبيه الألباب 76.

[23] المصدر نفسه 71.

[24] معجم الأدباء 1/90، والحديث رواه البخاري في كتاب العلم (فتح الباري1/242) .

[25] اقتضاء الصراط المستقيم 207.

[26] معجم الأدباء 1/53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت