ولم ينتبه إلا لصوت المؤذن معلنا دخول صلاة العشاء ، وبعد أداء الصلاة مكث جالسا بالمسجد حتى تفرق الناس وذهب كل الى بيته ، عندها توجه الى داره القريبة من المسجد ثم ربط جواده أمام الدار وتقدم الى الباب وطرقه طرقا خفيفا حتى لا يزعج الجيران ، وكانت المفاجأة العظيمة عندما خرج عليه من الدار ذلك الشاب الذي كان يلقي الدرس بالمسجد ، فما كان منه إلا أن يمتشق سيفه ليفتك بهذا الوغد الذي لم يحترم مبادئ الاسلام التي كان يعلمها للناس ، ودخل داره وخلى بزوجته مستغلا غيابه عن أهله ، ويرد الشاب على هذا التصرف العدواني قائلا ما ذا تريد يا عدو الله تدخل داري وتشهر عليّ سلاحك ، فتتدخل الام التي أتت بعد سماعها الجلبة التي حصلت بين إبنها وذلك الرجل الذي طرق الباب ، فقالت على رسلكما (سلم يا بني على والدك ) .
وبعد أن هدأت المشاعر واستقرت النفوس المشحونة بالعواطف سجد الجميع شكرا لله سبحانه وتعالى الذي منّ عليهم بلم الشمل بعد طول فراق ، ومن بديهيات الامور أن يسأل الرجل زوجته عن ما بقي من المال الذي أودعه عندها أثناء سفره فقالت بقي منه العلم الذي أودعه الله في عقل إبنك ، فعلم إنها قد صرفت كل المبلغ ولكن ليس فيما تهوي الانفس البشرية من المشرب والمأكل وأدوات اللهو وإنما صرفته على تربية ابنها وتعليمه فحمد الله على ذلك وأثنى عليه ودعى لها بحسن العاقية .
فهذه الام التي إستطاعت أن تصمد كل هذه المدة التي غاب عنها زوجها وتنذر نفسها وما تملك لتربية إبنها وتعليمه حتى أصبح من كبار علماء عصره ولم يتجاوز عمره العشرين سنة لو لم تكن في بيئة إجتماعية صالحة وولاية راشدة تعتني بأخلاقيات الامة وتغار على محارم الله لربما جرفها التيار وانزلقت في مهاوي الرذيلة كما انزلق غيرها من بنات جنسها اللاتي عشن في مجتمعات تحكم سلوكها الاهواء والشهوات بحجة أن سلوكيات الافراد خاصة بهم وتعتبر من الحريات الشخصية التي لا يجوز للآخرين المساس بها .
بعكس المجتمع الاسلامي السليم الذي يعتبر أن رعاية الفرد وتربيتة على الاخلاق الفاضلة وحمايته من ما ينافيها حتى وإن كان الفاعل هو نفسه ، هي من أهم واجبات من ولاه الله أمر الأمة, وهذا المنهج الذي كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وسار عليه من بعده خلفاؤه الراشدون وسلف الأمة الصالح .
وعندما ضعفت الامة وسلبت منها الارادة وسلط عليها من أبنائها المؤتمرين بأمر عدوها ليفرضوا عليها إتباعه حذو القذة بالقذة تنازلت عن أهم موروثاتها الحضارية وصارت تردد كالببغاوات ما يسميه الاعداء حرية المرأة ومساواتها بالرجل .
وفي هذا المضمار محطات في تاريخ الامة حالكة السواد ، لعلي أذكر منها على سبيل المثال أيام حكم ملوك الطوائف بالاندلس حيث كانت بنات الملوك يجاهرن بفسقهن مع من يردن ولا أحد ينكر عليهن هذا العمل الشنيع .
فهاهي سليلة الأمويين مع وزير أبيها بن زيدون عندما شعرت أنه مال إلى جاريتها وهي التي تظن أنها الوحيدة التي إستطاعت سلب لباب عقله فقالت له معاتبة:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا لم تهو جاريتي ولم تتخير
وتركت غصنا مثمرا بجماله وجنحت للغصن الذي لم يثمر
فولادة بنت المستكفي التي كانت تكتب بالذهب على طرازها الايمن:
أنا والله أصلح للمعالي * وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وعلى طرازها الايسر:
وأمكن عاشقي من صحن خدي * وأعطي قبلتي من يشتهيها
قد قضت حياتها باللهو والمجون وماتت بعد أن تجاوز عمرها الثمانين عاما ولم تتزوج.
وليست هي المسئولة الوحيدة عن ما آلت إليه حالها ، بل هي ضحية من ضحايا الانهيار الذي أصاب الامة بأسرها كنتيجة حتمية لتبعية ملوك الطوائف الذين كان والدها أحدهم لملوك النصارى، فلو قدر لولادة بما عرف عنها من الذكاء أن تكون حياتها بعصرعمر ابن الخطاب لربما كانت أما لأحد قادة الفتح الاسلامي .
فالانسان جبل على الخير والشر معا فإن وجد من يوقظ نزعة الخير التي بداخله كان خيّرا بإذن الله تعالى وإن كانت الاخرى صار شريرا نعوذ بالله من ذلك .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أويمجسانه ) رواه مسلم .
إن الناظر الى عصرنا الحالي يرى التشابه الكبير بينه وبين عصر الطوائف بالاندلس من حيث الدعوة النشطة لخروج المرأة من خدرها وتنحيتها عن المهمة التي وجدت من أجلها وجعلها لا تكتفي بمزاحمة الرجال لما كلفوا به ولكن تتجاوز ذلك الى أمور تفقدها دورها كربة بيت ومربية أجيال وهذا ورب الكعبة هو الذي أراده أعداء الامة من الكفار وأذنابهم المنافقين .
ومن أوجه الشبه بعصر الطوائف أن أغلب الداعيات لتفسخ المرأة وإنحلالها من نساء علية القوم .
وكما أسلفت هنّ لسن وحدهنّ المسئولات عن ما آل إليه الحال ولكن المسئول أمام الله ثم أمام الامة هو من أتاه الله سلطة تغيير المنكر بدرجته الاولى ولم يفعل { إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن } .