فهرس الكتاب

الصفحة 15215 من 27345

والمشكلة الثانية هي أنّ قدراتنا الحسية محدودة فعين الإنسان تستطيع الرؤية فقط في المدى من أربعة أعشار الميكرومتر [2] إلى سبعة أعشار الميكرومتر ، . وأذن الإنسان تسمع في المدى من عشرين هرتز إلى عشرين ألف هرتز [3] . فهنالك بعض الكائنات التي تستطيع أن ترى أشياء لا نستطيع أن نراها نحن ، فبعض الفراشات ترى في الظلام باستخدام أشعة فوق بنفسجية ، وبعض الكائنات كالكلاب والطيور تستطيع أن تسمع اهتزازات زلزالية قبل أن تقع الكارثة فتهرب مبتعدة من مكان الخطر ، بينما نحن البشر لا يمكننا إلى الآن التنبؤ بالزلازل! إذن حتى في عالم المشاهدة هنالك من الكائنات الأخرى ما يتفوق علينا في معرفة بعض تفاصيله وهذا يدلل أنّ المشاهدة منوطة بالأدوات التي نملكها ودقة هذه الأدوات.

ففي عالم المشاهدة قد لا ندرك الحقيقة المحضة في بعض الأحيان نسبة لوجود بعض المعوقات المحيطة إما بأدواتنا أو بالعوامل المحيطة بأدواتنا مما يؤدي إلى ضبابية الحقيقة التي ننشدها! هذا في عالم المشاهدة فما بالك بعالم الغيب.

عالم الغيب:

والغيب ما غاب عن إدراك الحواس ، وتعجز الحواس تماما عن معرفة حقيقته ، ولا سبيل لأدوات عالم الشهادة إلى الوصول إليه ، واستخدام أدوات الحس والمشاهدة غير مناسب لإدراكه أو كما يقول أهل العلوم ' irrelevant' وهذا ما يقع فيه كثير من المفكرين الذين يستخدمون أدوات الحس لإدراك عالم الغيب ، فمثلهم كمن يسلك الطريق الخاطئ للوصول إلى الهدف الصحيح.

ومن أمثلة عالم الغيب عندنا نحن المسلمون ، عالم الجن والشياطين ، عالم الدار الآخرة ، عالم البرزخ ، أو غيرها من العوالم التي عرفها المسلمون عن طريق الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إما بصريح القرآن أو صحيح السنة المطهرة .

السبيل إلى عالم الغيب:

فعالم الغيب كما أسلفنا عالم غاب عن حواسنا تماما وبالتالي لا سبيل لحواسنا لإدراكه واستخدام أي أداة من أدوات المشاهدة لمعرفته هو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء . إذن فما السبيل إليه ؟ السبيل إلى هذا العالم هو علّام الغيوب نفسه سبحانه وتعالى ، فخالق هذا الكون عالم بغيبه وشهادته"عالم الغيب والشهادة"، فإخباره لنا عن طريق الرسل هو الحل الوحيد لذلك ، وحتى يكون الأمر مقنعا لنا نحن بني البشر الذين خبرنا الجدل والحجة والمنطق فلابد لهذا النبي من دلائل تثبت أنّه مبعوث من الله سبحانه وتعالى ، وإلا لأدعى كل شخص أنّ الله أخبره بعلم الغيب !

فالتصديق برسالة النبي صلى الله عليه وسلم هو الأصل في الإيمان بالأمور الغيبية ولكن لا يعني بأي حال إدراكها ، فهي أمور غيبية خبرية آمنّا بها ، وما جعلنا نؤمن بها هو إيماننا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأي تشكيك بها هو تشكيك في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم طالما أنّ الخبر الذي وصلنا صحيح لا تشوبه شائبة.

المستنقع الذي أوقع الترابي فيه نفسه:

في ندوة مساء السبت 23/04/2006 ، تحدث الترابي في هذه الندوة أمام حشد من طلاب جامعة الخرطوم ما يزيد عن الساعة كلاما كثيرا كان عنوانه أصلا"تجديد الفكر الديني"، وأنا هنا لا يهمني سوى الجزء المتعلق بالعلوم وأدواتها ، فخاض في أمور كثيرة قد يتفق معه الناس أو يختلفون ، ولكن من ضمن خوضه العاثر ، تحدث عن عالم الغيب بشيء من السخرية وعدم الأدب والعلم بطريقة لا تليق أبدا بشخص له فكر حر كما يدعي ولا أعقب على أخطائه السياسية أو تجربته فأتركها لأهل السياسة . ولكن ما يهمني هنا هو سوء استخدامه لأدوات عالم الشهادة للولوج إلى عالم الغيب.

فمن ضمن ما تحدث عنه بسخريته المبتذلة"الدابة"،"عذاب القبر"،"عذاب الآخرة"،"المهدي المنتظر"،"قدوم المسيح عليه السلام آخر الزمان"، وغيرها من الأمور الغيبية التي أنكرها إنكارا مباشرا. وهو له ما يريد في أن ينكر ما ينكر أو يثبت ما يثبت ، لكن هذا من المفترض أن يتبع فيه أسلوبا علميا رصينا لا من باب إلقاء القول على عواهنه .

فصريح القرآن والأحاديث الصحيحة تثبت هذا الكلام ، والخطأ الذي وقع فيه الترابي كما وقع فيه الكثيرون من المفكرين غيره هو استخدام أدوات المشاهدة للحكم على الأمور الغيبية. بمعنى أنّه لا يوجد سبيل لمعرفة الغيب باستخدام الحواس أو أدواتها المعروفة لإثبات أو إنكار شيء هو ليس من اختصاصها. فالإنسان في عالم البرزخ غير الإنسان في عالم الشهادة وما ينطبق عليه ليس بالضرورة أن ينطبق على عالمنا ، فهو في عالم آخر غير عالمنا وأدواته لا نملكها أصلا فكيف بنا أن نستخدمها في معرفة حقيقته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت