هذه الزاوية من الحديث تدعينا لأن نتكلم عن الملائكة، فالملائكة يتفقون مع الجن في قضية ألا وهي أننا لا نراهم، في حين أن الجن والإنس يتفقان في قضية وهي أن كلاهما مكلف، كما أن الصورة المأخوذة عن الملائكة أنهم قوم حِسان، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه وهو جرير بن عبد الله البجلي يقول في شأنه: عليه مسحةُ ملك، وهذا دلالة على وسامته وقَسامته، وكذلك صواحب يوسف النسوة لما رأينه انبهرن جماله وقلن"حاشا لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم"لذلك استقرّ في الأذهان أن الملائكة رمز للجمال، كما أن الجن رمز للقبح، ولهذا مما استطرف في هذا المجال أن الجاحظ الأديب العباسي المعروف جاءته مرة امرأة وهو في السوق، فقالت إني أريدك في أمر ما، قال: ما لديكِ. ؟ قال اتبعني، فتبعها حتى وصلا إلى صائغ يبيع الذهب، فوقفا أمام الصائغ، فقالت المرأة للصائغ وهي تشير بيدها إلى الجاحظ: مثلُ هذا؟ ثم انصرفت، فوقف الجاحظ حائرا لا يدري ما الأمر، فسأل الصائغ ما الأمر. ؟ قال: إن هذه المرأة أتتني قبلك وطلبت مني أن أصنع لها خاتما فُصُه على شكل عفريت، فقلت لها: إنني لم أرى العفريت قط، فاستدعتك وأخبرتك بما سمعت، وكان الجاحظ قبيح الخلقة.
خامسا: أيهما أقوى وأقدر.. الجن أم الإنس.. ؟
من حيث القدرة على العمل والصناعة الجن أقوى من الإنس، فهم يفْضلون الإنس من هذه الناحية، ولهذا نجد أن القرآن الكريم في أسلوبه يفرّق إذا تكلم عن الجن والإنس في أي حديث يتحدث عنهما، يقول الله - جل وعلا -"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا"ويقول - جل وعلا - في سورة الرحمن"يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان"فنرى أن الله - تعالى - قدم الإنس في سورة الإسراء وقدم الجن في آية الرحمن والسبب في هذا.. أن آية الإسراء تتحدث عن القدرة البيانية البلاغية وهي أن يؤتى بمثل هذا القرآن، فقدم لله - تعالى -الإنس لأنهم أفصح بيانا من الجن، في حين أن آية الرحمن تتحدث عن القدرة القوية البدنية وهي النفوذ من سلطان السموات والأرض فقدم الجن على الإنس لأنهم أقدر على ذلك منهم، ونظير هذا أيضا في القرآن أن الله - تعالى -لما ذكر سليمان - عليه السلام - قال"وحشر لسليمانَ جنودُه من الجن والإنس والطير"فقدم الجن على الإنس في هذه الآية لأن القدرة العسكرية الحربية القتالية لديهم أقوى من الإنس، ولهذا استقر في طباع الإنس حتى قبل الإسلام أن الجن أقوياء فكانوا يهابونهم، ومنه قول الله - تعالى -على لسان الجن"وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا"ويقول الفرزدق وهو يفتخر على جرير:
أحلامنا تزن الجبالَ رزانة *** وتخالُنا جنا إذا ما نجهلُ
إنا لنضربُ رأسَ كلِ قبيلةٍ *** وأبوك خلف أتانه يتقمّلُ
فالفرزدق يفتخر على جرير عندما يحاربون ويظلمون أنهم يصبحون كالجن في القوة والشدة والبطش.
سادسا: تسميتهم..
يقول بن عبد البر - رحمه الله تعالى: أن العرب يسمون الجن حسب التالي:
أولا.. الجن الخالص يقولون له جني.
ثانيا.. فإذا كان مما يعمرون البيوت يسمونهم: عمار جمع عامر.
ثالثا.. إذا كان مما يتعرض للصبيان يسمونه أرواح.
رابعا.. إذا خبث وتعرض يسمونه شيطان.
خامسا.. إذا تمادى وطغى يسمونه عفريت.
سابعا: ما الفرق بين العفريت والشيطان.. ؟
الشيطان دل عليه أكثر القرآن لأنه لا يسمى شيطانًا إلا إذا كان خبيثًا خبثًا معنويًا، وقد يطلق على الإنسي حتى إذا خبث شيطان، ومنه قول الله - تعالى:"شياطين الإنس والجن"أما عفريت فإنه يدل على القوة والجبروت ويدل على التمرد ومنه قول الله - تعالى -على لسان سليمان:"قال أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من الجن أن أتيك به..."ومع هذه القوة التي منحها الله - تعالى -لهم إلا أنهم لا يستطيعون أن يتشكلوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي"فهذا الشيطان العفريت الذي يأتي بعرش من مكان إلى مكان في لحظات محدودة يعجز أن يتمثل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثامنا: التكليف للجميع:
كلا من الإنس والجن مكلف بدليل"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"وبهذا التكليف ينفك الجن عن عالم الملائكة؛ لأن عالم الملائكة غير مكلفين"لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"أما الإنس والجن فكلاهما مكلف، فمن آمن منهم واهتدى كان مآله الجنة، ومن تكبر منهم وعصى وطغى ورد على الله كلامه، كان مآله النار، ولهذا قال الله - تعالى -عن الحور العين"فلم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان"وهذا فيه دلالة على أن الإنس والجن سيدخل الجنة إذا أطاع الله.
تاسعًا: مؤمني الجن: