فهرس الكتاب

الصفحة 17808 من 27345

النبي - صلى الله عليه وسلم - أكرمه الله - تعالى - بأن ختم الله به الرسالات وأتم به النبوات، وأنزل عليه آخر الكتب السماوية الذي هو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والجن كما مرّ معنا أنهم مخلوقون من نار، ومع ذلك لما رزق بعضهم الإيمان رزق التأثرَ بالقرآن، ولما ذهب نبينا - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام فرده أهلها فرجع حزينا مكلوما - عليه الصلاة والسلام -، رجع من الطائف متجها إلى مكة حتى وصل إلى واد نخلة فوقف - عليه الصلاة والسلام - يصلي يناجي ربه- تبارك وتعالى -ويدعوه"اللهم أنت ربي ورب المستضعفين في الحديث المعروف"فأخذ يصلي ويقرأ القرآن - عليه الصلاة والسلام -، فاجتمعت الجن الطائفة التي كانت متوجهة إلى وادي نخلة، تنظر لماذا أغلقت في وجهها أبوابَ السماء قال الله"وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا"فوقفوا يستمعون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تكالب بعضهم على بعض، يقول الله - تعالى -مصورا لذلك المشهد العظيم"وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا"فالداعي هنا هو نبينا - صلى الله عليه وسلم -، والذين كادوا يكونون عليه لبدا هم الجن، فاستمعوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن يشعر بوجودهم - عليه الصلاة والسلام -، فلما انصرفوا أخبر الله - تعالى -نبيه بالذي كان، قال الله - تعالى -"قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فأمنا به ولن نشركَ بربنا أحدا"ولهذا سميت السورة باسهم، ثم ذكر الله - تعالى -الأمر تفصيلا في سورة الأحقاف فقال جل شأنه:"وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم"وهذا فيه إشارة إلى أن أولئك الجن كانوا من اليهود، وأنهم قالوا"أنزل من بعد موسى"ولم يذكروا عيسى - عليه الصلاة والسلام -، وموسى إنما بعث لليهود.

عاشرا: مدح الله للجن:

مدح الله - تعالى - الجن لأنهم كانوا ذوي أدب مع كلام الله - تعالى -، وهذا دل عليه القرآن الكريم في موضعين:

الأول: روى الترمذي بسند حسن من حديث جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ على مؤمني الجن سورة الرحمن وفيه يتكرر قول الله - جل وعلا -"فبأي آلاء ربكما تكذبان"فلما قرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصحابة قال لهم: ألا تجيبوني كما أجابني إخوانكم من الجن.. ؟ قالوا ماذا أجابوا يا رسول الله؟ قال كانوا يقولون: ولا بأيٍ من آلاء ربنا نكذب".."

الموضع الثاني: لما ذكروا الخير والشر في قضية إرسال الرسل، نسبوا الخير والرشد والفلاح إلى الله، ونسبوا الشر إلى ما لم يُسمى فاعله، وذلك أدبا مع الله - تعالى -، قال الله - تعالى -في سورة الجن"وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض [فنسبوا الشر هنا إلى مجهول] أم أراد بهم ربهم رشدا"فلما ذكروا الرشد نسبوه إلى الله - تعالى -، والأدب مع الله - تعالى -من دلائل الإيمان وقرائن العلم وبواني الحكمة، وهذا الأدب دليل على حسن كلامهم وخطابهم، والعاقل المؤمن ينبغي أن يكون ذوو أدب مع من يتحدث معه، وأعظم الأدب وجوبا مع الرب - جل وعلا -، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أعظم الخلق أدبا مع الله - تعالى -، عن أنس - رضي الله عنه - قال: أصاب أهل المدينة في عهده قحط فبينما هو يخطبنا يوم جمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاء فادع الله أن يسقينا فمد يديه ودعا، قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة فهاجت ريح ثم أنشأت سحابة ثم اجتمعت ثم أرسلت السماء عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم يزل المطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال يا رسول الله تهدمت البيوت فادع الله أن يحبسه فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا وقال اللهم حوالينا ولا علينا، ولم يقل - عليه الصلاة والسلام - اللهم أمسك رحمتك علينا وهذا من عظيم أدبه مع الله - تعالى -، يقول أنس: فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل [رواه أبو داود]

الحادي عشر: الجن وقصة الذئب:

العرب في تأريخها تزعم أن الجن تخشى الذئاب فيقولون عن الذيب مدحا:

ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ** صروفَ المنايا فهو يقضانُ نائم

وقد قصدوا من هذا أن الجن متوثِّبٌ دائما، ويزعمون أن الجن تهاب الذيب، ولهذا نسمع أن بعض القراء في عصرنا يضعون رأس الذئب أو جلده عن باب منازلهم، يوهمون بهذا وهم يقرؤون على الشخص الذي به مس أن الجني يهرب لما يرى رأس الذئب، وهذا أمر خطير وخطره في العقيدة؛ لأنه يعتقد أن الله هو الذي يحي ويميت وينفع ويضر، وأنه يجب أن تكون الرقية الشرعية رقية شرعية، وقد رقى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يستعن بمثل هذه الأمور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت