ومثلًا دعمت أميركا جون قرنق في جنوب السودان وهو من قبيلة الدينكا، وهي أقلية من عدة أقليات في جنوب السودان، الذي يجمع العرب والوثنيين والمسيحيين والأفارقة في نسيج هادئ تحت سيطرة العرب والمسلمين منذ قرون. فضخمت أميركا دور قرنق، ومدته بكل أسباب القوة، حتى صار ممثلًا لكل أهل الجنوب بمختلف أقلياته، وربما ستستمر في دعمه ليصبح في المستقبل رجل السودان الأول والأقوى، وذلك بعد الفراغ من مؤامرة تقسيم الثروة والسلطة، علمًا بأن هذا الرجل تسبب في مقتل وتشريد الملايين من السودانيين.
ومثلًا قوَّت أميركا مركز رئيس أوغندا يوري موسيفيني، وهو من أقلية التوتسي، لدرجة أن أصبحت أوغندا، تحت رئاسته، أهم دولة في وسط أفريقيا. وعندما جاء بوش إلى القارة الأفريقية انطلق من أوغندا، واستطاع موسيفيني، بفضل هذا الإسناد الأميركي، أن يساهم في تغيير رؤساء الكونغو، ورواندا، وبوروندي، والإتيان برؤساء معظمهم من التوتسي، وبذلك تحولت أوغندا إلى قطب الرحى في منطقة أفريقيا الاستوائية، والتي ما كانت لتصل إلى كل هذا النفوذ، لولا دعم أميركا لأقلية التوتسي وللرئيس موسيفيني، الذي كان له دور مشبوه في مذابح الهوتو والتوتسي، التي بلغ ضحاياها ما يقارب المليونان.
وأما في الصومال، فأميركا عندما لم تجد فيه أقليات عرقية أو مذهبية، لجأت إلى تمزيقه عن طريق إشعال الفتن والحروب الأهلية، بين أمراء الحروب الذين قاموا بدور الأقليات، وبذلك تم التآمر على الصومال بحرمانه من الدولة والاستقرار، لمدة زادت عن الإثنتي عشرة سنة، فقسمته إلى خمسة أقاليم هي: أرض الصومال، والصومال بوند، وصومال حسن صلاد والعاصمة مقديشو، بالإضافة إلى إقليم أوغادين الذي سلخته أثيوبيا عن الصومال.
وأخيرًا في أفغانستان، فقد رأينا كيف استخدمت أميركا قبائل الطاجيك والأوزبيك لمحاربة الأكثرية البشتونية، فحل في أفغانستان ما حل من احتلال، وخراب، ودمار، وهلاك للبشر.
هذه أمثلة حقيقية على استخدام أميركا لورقة التعددية في هذه البلدان والتي أنتجت التفتت والتدمير، والمذابح والتشريد، وهذه هي الحصيلة الأولى فقط للسياسة التعددية التي انتهجتها أميركا، خلال العقد الأول من عصر الهيمنة الأميركي على العالم.
والظاهر أن أميركا قد استمرأت هذه اللعبة، وبدأت بتطويرها بديباجة الديمقراطية لتسهيل تسويقها، وأصبحت التعددية بفضل الإعلام الأميركي هي النغمة الأكثر عزفًا على لحنها، من قبل صنّاع السياسة الأميركية، وصارت جزءًا جوهريًا من أطروحاتها الإصلاحية. فإذا كانت هذه هي التعددية الديمقراطية المصممة لبلادنا، وهذا هو حصادها، فما هو موقف الحكومات والنخب السياسية العربية والإسلامية منها؟
إن موقفها -وبكل أسف- يتجاوب مع هذه الأكذوبة الأميركية عن التعددية المذهبية والقبلية والأقليات والطوائف، وتجاوبهم معها ناشئ بسبب التبعية والخوف من فقدان الكرسي. وإن موقف كثير من النخب السياسية الفاعلة في هذه الدول، سواء من الحكومات أم من المعارضة، هو موقف إنهزامي أناني يتعاطى مع هذه الأطروحات الأميركية، لا بوصفها مقنعة أو صحيحة، وإنما بوصفها أمرًا واقعًا يستوجب الخنوع. وما يجري في العراق اليوم يعتبر أحدث نموذج لهذه الأطروحات الأميركية، حيث لم تكتف أميركا ورجالها في مجلس الحكم، وفي غير مجلس الحكم، من تقسيم العراق على أساس عرقي بين العرب، والأكراد، والتركمان، والأشوريين، بل وقسموه أيضًا على أساس مذهبي بين السنة والشيعة، وهذا كله يُبرَّر بذريعة التعددية الديمقراطية!!
إن هذه العدوى نراها اليوم تنتقل بسرعة إلى مناطق جديدة مثل أكراد سوريا، وشيعة الجزيرة العربية، وهذا هو أول القَطر الأميركي لهذه التعددية البغيضة، ولا ندري إلى أين سينتهي المطاف بها.
إن التعددية الديمقراطية المصممة لبلادنا هي داء أميركي عضال لا بد من علاجه، وعلاجه الوحيد الناجع الشافي يتمثل في دواء الإسلام، بوصفه فكرًا وعقيدةً ونظام حياة، لا فصل فيه بين الدين والحياة، ولا بين العبادة والسياسة، وهو العلاج الوحيد الذي لا يختلف عليه أتباع مذهب، أو أبناء عرْق، أو حتى أهل ذمة، لأنه ينصف الكل، ويعدل مع الكل، ويوحد ولا يفرق، ويُغلِّب العفو والتسامح على العصبية والعنصرية، ويجعل قاعدة «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى» هي الأساس في النظر إلى الرعية، ويجعل الاخوة بين أفراد المجتمع تقوم على أساس اخوة العقيدة بدلًا من اخوة القبيلة مصداقًا لقول الحق وهو أصدق القائلين: { إنما المؤمنون إخوة } قرآن كريم
أحمد الخطيب - بيت المقدس