فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقال ذو النون:"هو الذي قطع العلائق عما دون الله."
وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري: هو المفلس.". (2) "
إعلان الإفلاس من كل شيء، سوى الله، هو قمة الغنى؛ ذلك بأن الله - تعالى -الغني ذو الرحمة، لا مال ولا علم ولا جاه ولا سلطان، إعلان لإفلاس عام، في كل مؤسسات الذات، عندها يكون قمة الربح والفوز، لأنك مفلس مع"الغني"فأنعم به من تجرد، وأنت أغنى الأغنياء لو فقهت!
والعجز التام هو كذلك كنز، بذا قال سعيد النورسي حكمته الجميلة: (كنزي: عجزي) ، وبه دل النبي - عليه الصلاة والسلام - عبد الله بن قيس قائلا: (يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟. فقلت: بلى يا رسول الله، قال: قل لا حول ولا قوة إلا بالله) . (3) كنز في الجنة وأنت ترددها، فكيف إن كانت معانيها متحققة فيك! ؛ معاني التعري التام من كل الحول والقوة.
وإن توفر العجز والتسليم والإفلاس، باتت الضرورة واضحة كما قال ابن عباس، وأمسى قطع العلائق من دون الله جليا كما صرح ذو النون، وأمسى المرء في صورة تامة من الاعتصام بالله وحده، ممسكا بحبله، يشده، يقبض عليه، مهما سال دم الضيق والعنت والحرج، و لا يزال العبد وقتها معتصما، تلين له الدنيا كلها.
قال وهب بن منبه:"قرأت في الكتاب الأول إن الله - تعالى -يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإنْ كادته السماوات بمن فيهن، والأرض بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجا، ومن لم يعتصم بي؛ فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه" (4)
إنَْ اعتصم اقسم الله بعزته! أن لا يضره شيء ويجعل له مخرجا، وقمة الاعتصام يكون وقت الضرورة، ويا لها من لحظات بديعة في صلة المرء بربه وحبيبه.
قال الشاعر:
وإني لأدعو الله والأمر ضيق *** علي فما ينفك أن يتفرجا
ورب أخ سدت عليه وجوهه *** أصاب لها لما دعا الله مخرجا (5)
يقول الأستاذ سيد في الآية:
"فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله، يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء، ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، وتتهاوى الإسناد ; وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص."
لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده.
وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى ; وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى..
في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء.
فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه. هو وحده دون سواه.
يجيبه ويكشف عنه السوء، ويرده إلى الأمن والسلامة، و ينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق.
والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء، وفترات الغفلة؛ يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة.
فأما حين تلجئهم الشدة، ويضطرهم الكرب، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة، ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما يكونوا من قبل غافلين أو مكابرين" (6) "
يا لها من عودة مباركة، غريب أمر الإنسان!، يكون في الخناق كما يقول سيد، ثم ما أن يلجأ بصدق إلى الله، حتى تتحول تلك الحلقة الضيقة المتعبة، إلى راحة وسعادة واستقرار وفرح، بمجرد الصدق وحسن اللجوء، ومن ذاق هذه الحلاوة الإيمانية يكاد يطلبها في كل وقت، للذتها وعذوبتها في وعاء القلب الصغير.
ذكر ابن كثير عند تفسيره هذه الآية:"ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي قال هذا الرجل:"
كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق عن طريق غير مسلوكة.
فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب، فقلت: لا خيرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب.
فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكينا معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك!
فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين، فقال: عجّل.
فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفا متحيرا، وهو يقول: هيه افرغ، فأجرى الله على لساني قوله - تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} .
فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعا.
فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالما". (7) "