وكان الإفتاء بغير المذهب السائد يعد أمرًا غير مرغوب فيه ، ويفضي إلى النزاع والاختلاف والتفرق ، ولذا أشار إليه العلماء المتقدمون ، وبينوا خطره وما يحدثه ، قال الشاطبي رحمه الله ، في معرِض حديثه عما في تتبع رخص المذاهب من المفاسد ( أنه يفضي إلى ترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم ؛ لأن المذاهب الخارجة عن مذهب مالك في هذه الأمصار مجهولة ) " (2) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله في رسالته عن حكم شرب الدخان: (( والعوام تبع للعلماء ، فلا يسوغ ولا يحل للعوام أن يتبعوا الهوى ويتأولوا ، ويتعللوا أنه يوجد من علماء الأمصار من يحلله(يعني الدخان) فإن هذا التأويل من العوام لا يحل باتفاق العلماء ، فإن العوام تبع لعلمائهم ليسوا مستقلين ، وليس لهم أن يخرجوا عن أقوال علمائهم .. وما نظير هذا التأويل الفاسد الجاري على ألسنة بعض العوام اتباعًا للهوى لا اتباعًا للحق والهدى إلا كما لو قال بعضهم يوجد بعض علماء الأمصار من يبيح ربا الفضل فلنا أن نتبعهم ، أو يوجد من لا يحرم أكل ذوات المخالب من الطير فلنا أن نتبعهم ، ولو فتح هذا الباب فتح على الناس شر كبير ، ، وصار سببًا لانحلال العوام عن دينهم . وكل أحد يعرف أن تتبع مثل هذه الأقوال المخالفة لما دلت عليه الأدلة الشرعية ، ولما عليه أهل العلم من الأمور التي لا تحل ولا تجوز )) (3) . والواقع المعاصر لا يعترف بالحدود الجغرافية والأعراف الإقليمية ، وهذه إشكالية كبيرة ، إذ يفتي المفتي بفتوى تبيح أمرًا قد استقر في أذهان فئة معينة تحريمه ، فهذا يحدِثُ إشكالًا كبيرًا ، فمن أمثلة ذلك: أن سائلة سألت مفتيًا في إحدى القنوات الفضائية ، عن حكم كشف الوجه ، فأفتاها أن النقاب هو الأفضل ، لا سيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن ، وأن كشفت وجهها وكفيها فقط فلا بأس ."
هذه الفتاوى صالحة لمجتمعات معينة ، لكنها لو عمل بها في مجتمعات أخرى مثل مجتمعنا السعودي ، لأحدثت فوضى كبيرة ، إذ إن أولياء الأمور ، ورجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمجتمع بأسره لا يقبل كشف الوجه ، بل يعاقب على ذلك ، بل إن كثيرًا من النساء الحريصات على العفة والستر في مجتمعنا ، لا يرضين بالظهور أمام الأجانب إلا بالعباءة السوداء ، الساترة لجميع البدن ، ولا يرضين بغيرها من الأغطية التي قد تستخدمها بعضهن أمام غير المحارم من الأقارب .
فمثل هذه الفتوى لو تعامل المجتمع معها بالرفض التام والتجاهل ، لكان الوضع مقبولًا طبعيًا ، إذ يستفيد منها غيره ، لكن الواقع أن مثل هذه الفتاوى تجر وراءها محظورات متعددة ، منها:
1-التطلع إلى آراء العلماء الآخرين ، ومتابعتها ، لأنها وافقت هوى في نفوس البعض ، وإن كان أولئك العلماء أقل علمًا وورعًا .
2-ضعف الثقة بعلماء البلد ، الذين هم أعلم الناس بأحوال المجتمع وعاداته وتقاليده .
3-العمل ببعض هذه الفتاوى دون رضًا من المجتمع والسلطة ، مما يسبب خللًا ظاهرًا ، كالعمل بفتوى من جعل الطلاق الثلاث في مجلس واحد طلقة واحدة ، أو العمل بفتوى من أباح كشف الوجه ، في مجتمع كل نسائه يغطينه .
4-إنكار هذه الفتاوى ، ورميها بالخطأ من قبل محافظي المجتمع ، مع أنها قد تكون أقوى دليلًا مما تمسك به ذلك المجتمع .
5-رمي المفتين بهذه الفتاوى بالضعف ، وقلة العلم والورع ، واتباع الهوى ، مع أنهم قد يكونون على خلاف ذلك تمامًا ، فقد صدرت بعض الكتب في نقد بعض العلماء نقدًا لاذعًا ، بسبب فتاويهم المخالفة لآراء هؤلاء المؤلفين .
6-أن المسارع للعمل بالفتاوى المُيَسِّرة المخالفة لمذهب البلد ، هم من الفئة المتساهلة ، التي يقل عندها جانب الورع الواجب ، فتكون هذه الفتاوى سبيلًا للوصول إلى المحرم المتفق على تحريمه ، أما محافظو المجتمع فالغالب أنهم لا يعملون بهذه الفتاوى إلا في حالة الضرورة أو الحاجة الملحة .
ولعل المسلك القويم ، الذي ينبغي اتباعه ، يتلخص في:
1-أن على المفتي إذا سئل عن مسألة من هذه النوع ، أن يبين أقوال العلماء فيها ، ووجاهة كل رأي ، وأن يربط كل مجتمع بعلمائه ، بحثهم على اتباع علمائهم ، وعدم تتبع أقوال العلماء بدافع من الهوى ، ثم يفتي بما يراه هو ، إذ إنه بذلك يعطي كل مستمع ثقة بمفتيه الأول ، ووجاهة رأيه ، ويكون المحظور منتفيًا أو قريبًا من الانتفاء في هذه الحال ، وخاصة إذا جعل هذا منهجًا له ، وعرف به ، أما أن يعمد بعض العلماء إلى تقليل أهمية الأقوال الأخرى ، ووصم الخلاف بالضعف ، مع قوته ، فهذا خلاف الواجب ، قال بعضهم: ''هذه مسألة اتفق عليها العلماء ، إلا واحدًا أو اثنين ، وهذا لا يشكل شيئًا أمام إجماع الأمة'' ، مع أن المسألة قد قال بها كثير من المتقدمين قبل المعاصرين الذين لم يأبه برأيهم .