فهرس الكتاب

الصفحة 9657 من 27345

2-أن يعمد علماء كل بلد (أو مجتمع) إلى بث برامج للفتاوى على غرار العلماء الآخرين ، حتى يسهل توصل المستفتي إلى العالم الذي يحسن أن يستفتيه ، ولا يضطر إلى علماء آخرين ، قد يشوشون ثوابته"" (4) .

-المفتي والهوى:

من المؤسف حقًا أن يكون بعض المفتين على غير ما يجب أن يتمثلوه من تحري الصواب ، واتباع الحق ، إن فئة منهم تتحرك بدافع من الهوى والشهوة ، فتنجر إلى الإفتاء بما يتوافق مع الأهواء لمقاصد سياسية أو مالية ، أو لكسب قبول الجمهور ، أو غير ذلك ،قال د. يوسف القرضاوي: ''ومن أشد المزالق خطرا على المفتي أن يتبع الهوى في فتواه، سواء هوى نفسه أو هوى غيره، وبخاصة أهواء الرؤساء وأصحاب السلطة، الذين ترجى عطاياهم، وتخشى رزاياهم، فيتقرب إليهم الطامعون والخائفون، بتزييف الحقائق، وتبديل الأحكام، وتحريف الكلم عن مواضعه، اتباعا لأهوائهم، وإرضاء لنزواتهم، أو مسايرة لشطحاتهم ونطحاتهم. ومثل ذلك اتباع أهواء العامة، والجري وراء إرضائهم، بالتساهل أو بالتشدد، وكله من اتباع الهوى المضل عن الحق'' (5)

لقد عمد بعضهم إلى التقاط شواذ الأقوال ، وأفتوا بها الناس ، غير خائفين ولا وجلين من عواقب ذلك وما يترتب عليه ، إن ترجيح آراء العلماء بدافع من الهوى مضاد لما أمر الله به ، من الرجوع إلى الله ورسوله عند التنازع ، قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: ''.. ولم يفلح من جعل من هذا الخلاف سبيلًا إلى تتبع رخص المذاهب ، ونادر الخلاف ، وندرة المخالف ، واللتقاط الشواذ ، وتبني الآراء المهجورة ، والغلط على الأئمة ، ونصبها للناس دينًا وشرعًا .. ومنها إصدار الفتاوى الشاذة الفاسدة ، مثل الفتوى بجواز الفوائد الربوية ، وشهادات الاستثمار ، وسندات الخزينة ، وفتوى إباحة التأمين ، وفتوى إباحة السفور ، وفتوى إباحة الاختلاط ، وكلها فتاوى شاذة فاسدة ، تمالئ الرغبات ، وبعض التوجهات ..'' (6) .

-المَلَكات الاستقبالية للمفتي:

أهم الأركان التي يقوم عليها برنامج الإفتاء ، هو المفتي ، وبمقدار علو مرتبته (على المستويات كافة) يكون نجاح البرنامج ، ويجب أن يتمتع المفتي بصفاتٍ تمكنه من دخول قلوب الناس ، وبلوغ ثقتهم فيه ، والغالب أنه لا يتقدم لمثل هذه البرامج إلا من كان فيه من تلك الصفات .

ولكن هناك أمور تعرض ، خارجة عن حد السيطرة ، يفرضها جو البرنامج ، من كونه مباشرة على الهواء ، وكون المستفتين على فئات شتى من الثقافة والعلم والأخلاق .. هذه الأمور قد ينتُج عنها سلبيات كثيرة ، تجر وراءها ما تجر ، سببها فقدان بعض الملكات التي يجب توفرها عند المفتي .

إن البرامج المباشرة ، تتطلب من المفتي سرعة الاستحضار للأحكام الفقهية وأدلتها ، وهذه السرعة لا يمكن أن تتحقق إلا بعد أن يمارس المفتي الإفتاء لفترات طويلة ، تكفل له الدربة على مثل ذلك ، والمفتي يستقبل في هذه البرامج فئات متنوعة من الناس ، فمنهم من انخفض مستوى العلم عنده إلى درجات البدائية ، فيستفتي عن فروض الوضوء وشروط الصلاة ، ومنهم من يشكل عليه أمور غامضة ، يكثر فيها بين العلماء الاختلاف ، ويتجاذب حكمها أدلة متعارضة ظاهريًا ، أو مختلفة الصحة والصراحة ، أو غير ذلك ، فيجب على المفتي أن يكون مستعدًا لكل هذا ..

ومثل ما تحتله سرعة الاستحضار من المكانة ، تحتل قوة الإدراك ، والتمكن من فهم السؤال ، إن إدراك المفتي للسؤال لتنبني عليه الفتوى ، وتتضاعف خطورة الإفتاء بفتوى غير ما سأل عنه السائل في مثل هذه البرامج ، إذ إن المستمعين يربطون بين سؤال المستفتي وفتوى المفتي ، وقد حصل من هذا القبيل مراتٍ متعددة في هذه البرامج ، منها:

1-أن أحد المستفتين سأل عن حكم من ترك شيئا من رمي الجمرات ، فقال المفتي: عليه عن كل واحدة دم ، وكان المفتي يقصد عن كل جمرة ، فظن المستفتي وبعض المشاهدين أنه عن كل حصاة ، ثم كرر السؤال ، فقال: (عن كل واحدة يا شيخ ؟) قال: (نعم ، عن كل واحدة) !

2-وحادثة أخرى ، أظهر خطأً وأشد نتيجة ، وهي أن سائلة قالت: إني أحرمت للعمرة ، ثم لما وصلت مكة حضتُ ، فلم أخبر أهلي بذلك حياءً ، وأديت مناسك العمرة معهم ، وأنا حائض ، ثم تزوجت بعد عدة سنوات ، وأنجبت أولادًا ، فماذا عليَّ الآن ؟ فرد الشيخ: يجب ألا يقربك زوجك ، حتى ترجعين إلى مكة ، وتؤدين العمرة ، لأنك ما زلت محرمة ، ثم إذا قضيت مناسكها ، تعيدون عقد النكاح ؛ لأنه عقد عليك وأنت محرمة ، ولا ينعقد النكاح حال الإحرام . فقالت: هل أؤدي العمرة أولًا أم أعيد عقد النكاح ؟ فأجاب إجابة يفهم منها أن الأمرين مستويان !!.. انظر كيف أدى عدم الإدراك والسهو إلى مثل هذا الخطأ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت