فهرس الكتاب

الصفحة 9658 من 27345

ومما يجب أن يتحلى به المفتي ، ضبطُ النفس ، وعدم الاندفاع وراء أي محاولة استفزاز من المستفتين ، سواءً كانت متعمدة أم عفويةً ، وقد حصل مثلُ هذا ، وأدى إلى عواقب سيئة ، فقد سأل سائل مفتيًا في برنامج مباشر مسألة تتعلق بأمور سياسية ، وعرض بعلماء بلد ذلك المفتي ، وانتقدتهم انتقادًا ظاهرًا ، وإن لم يكن صريحًا ، فما كان من المفتي إلا أن أجاب إجابةً جيدة منضبطة ، لكنه لما وصل إلى موضع الانتقاد من السؤال ، تغير نمط الإجابة جذريًا ، حتى وصل إلى كلام مبهم ، فهم منه الدعاء على ذلك السائل .

إن هذا الموقف أفرز سلبيات كثيرة ، من أهمها:

1-اقتناع الجمهور بانتقاد السائل ، وإن لم يكن صوابًا ، تعاطفًا معه، وتمكن في أذهان كثيرٍ أن استفزاز المفتي دليل على صحة ما ادعاه .

2-لقد صار تصرف ذلك المفتي مرتعًا خصبًا لمن يصطاد في الماء العكر، واستغل استغلالًا سيئًا ، وحلل تحليلات متعددة ، أكثرها مجانب للصواب.

3-كما عد ذلك التصرف منقصًا من قدر ذلك المفتي ، مؤثرًا على مكانته في قلوب الناس ، لأن كثيرًا من الجمهور لا يعمل العقل والمنطق في حياته ، بل يتعلق بالظواهر الخادعة ، ويبني تصورًا لا يغيره على موقف واحد ، وربما يكون ذلك الموقف نتيجة أشياء عارضة ، ولا ينم عن شيء من شخصية صاحبه .

إن ضبط النفس ، يدفع - بعد عون الله تعالى - عواقب سيئة .. إنه سبيل إلى الوصول إلى قلب المجادل ومؤيديه ، وإلى إقناعهم بما يُرى حقًا وصوابًا .

ومما ينقص بعض المفتين في هذه البرامج ، النظرُ إلى حال المستفتي ، وقت الفتوى ، وإلى التغيرات التي طرأت في العصر ، وإلى مناحي تفكير الناس ، وقوة إيمانهم وورعهم من عدم ذلك ، إن غفلة المفتي عن ذلك ، تؤدي به إلى الفتوى بما يكون سببًا لانفتاح الناس على بعض المعاصي ، واتخاذ تلك الفتوى ذريعة لمعاصٍ كثيرة ، وقد حدث مثل هذا ، إذ سئل أحد المفتين عن عورة المرأة للمرأة ، فأجاب أنها من السرة إلى الركبة ، وهذا الجواب ، عين الصواب ، نص على ذلك الفقهاء (7) ، ولكن الأمر أبعد من ذلك ، فإن السائلة التي سألت هذا المفتي ، كانت تسأل عن لباس النساء العاري ، الذي يستر ما بين السرة إلى الركبة ، ويظهر كثيرًا مما عداه ، وهذا اللباس لا يقره ولا يبيحه من تأمل عظيم خطره ، وكبير فتنته ..

لقد انتشرت هذه الفتوى بين الناس انتشارًا عظيمًا ، وتناقلها الناس على اختلاف نياتهم ، فبعضهم نقلها استبشارًا بها ، وبعضهم استغرابًا ، وبعضهم نقلها بقصد الإنقاص من قدر ذلك المفتي ، وقد اتصل بالمفتي جمع كبير جدًا من طلبة العلم وغيرهم ، يطلبون منه توضيح فتواه ، والتفصيل فيها ، وما كان منه -جزاه الله خيرًا - إلا أن علق على تلك الفتوى في اللقاء الذي يليه ، وبين خطر تلك الملابس العارية ، وما قصد وراء السؤال من مقاصد .

-مقدم البرنامج ودوره:

إن برامج الفتوى -وخاصة المباشرة- تستلزم أن تتظافر فيها الجهود لأن يصل شرع الله تعالى إلى الناس بطريقة سليمة ، فإن لها أهمية خاصة بسبب هذا الجانب ، ولذا فهي تسلتزم الدقة والانضباط ، ومقدم البرنامج يتحمل مسؤولية كبيرة ، فهو حلقة الوصل بين المستفتين والمفتي ، ويضطلع بدور كبير في إدارة الحلقة ، وتوجيه الأسئلة ، وانتقاء الموضوعات الأهم والأكثر قبولًا لدى الناس ، كما أن له دور ظاهر في توجيه المفتي إن وهم ، أو فهم خطأً ، أو أجاب إجابة موهمة ..

إن كثيرًا من المقدمين لا يعدو عمله أن يكون آليًا صرفًا ، لا يتدخل في أي عمل جوهري للبرنامج إلا إلقاء الأسئلة ، مع أن الحاجة إليه شديدة ، وكثير من المستمعين يعلقون الرجاء عليه في أوقات متعددة ، منها:

1-إذا سئل المفتي سؤالًا طويلًا ، يتضمن فقرات عدة ، فكثيرًا ما نسي المفتي بعض الفقرات ، أو استطرد ، حتى نسي عجُز السؤال ، أو بدأ بآخر السؤال ونسي أوله ، في هذه الأوقات يجب على مقدم البرنامج التدخل ، ليأتي المفتي على كل فقرة .

2-وإذا أجاب المفتي إجابةً عائمة ، أو عامة ، فيجب على المقدم التدخل ، ليحدد الإجابة .. أما إذا عمد المفتي إلى الإجابات العامة ، وهو مضطر لذلك ، فيجب على المقدم عدم التدخل إلا بما يعزز هدف المفتي من صرف النظر عن السؤال ، لأن بعض الأسئلة لا يمكن الإجابة عليها ، إما لأغراض شرعية ، أو سياسية ، أو اجتماعية ، أو ربما تكون الإجابة غائبة عن المفتي ، فهنا يجب على مقدم البرنامج صرف النظر عن السؤال ، لذا عليه أن يكون فطنًا عارفًا حال المفتي وأسلوبه .

3-وإذا فهم المفتي السؤال خطأً ، أو حاوره السائل ، فاتضح أن السائل لم يفهم الإجابة ، فعلى مقدم البرنامج إزالة الالتباس .

-المستفتي وما عليه:

والركن الآخر لعملية الفتوى هو المستفتي ، وهو في الحقيقة ، ركن هام ، ويدور حوله أمور خطيرة ، من أكثرها أهمية وتأثيرًا: اتباع الهوى ، وتتبع الرخص ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت