إن اتباع الهوى قضية خطيرة ، غفل عنها كثير من الناس ، ورأوا أنه إذا وجدت الفتوى في إباحة محظور فقد حل ، دون نظر إلى المفتي ، ولا إلى وقت الفتوى ، ولا إلى الملابسات التي قد تكتنف الأمر ، ودون نظر إلى ضوابط الفتوى التي نص عليها العلماء ..
فمن الصور الخاطئة التي تنتشر بين الناس:
1-أن ينتشر بين الناس أن في المسألة رأيين ، فيعمد بعض الناس إلى أخذ الرأي الأقرب إلى هواه ، دون استفتاء . وهذه الصورة من أكثر الصور تساهلًا ، فربما تكون المسألة المختلف فيها لا تنطبق تمامًا على مسألة الشخص الخاصة ، مثال ذلك: أن هناك رأيين في زكاة الحلي المعد للاستعمال ، فيأخذ بعض الناس بقول من رأى أنه لا زكاة فيه ، دون أن يستفتي ويوضح حال ذلك الحلي الذي عنده ، وقد يكون ذلك الحلي غير مستعمل ولا معد للتجارة ، بل هو قد احتفظ به ادخارًا وكنزًا.. فهنا يتغير الحكم ، والغالب أنه لم يختر هذا القول مع ترك السؤال إلا لتساهله.
2-أن ينتشر أن في المسألة رأيين ، فيعمد المستفتي إلى القائل بالرأي الأقرب إلى هواه ، فيستفتيه ، دون نظر إلى علمه ولا إلى ورعه ، ولا إلى دليله ، وهذا أيضًا حَكَّم الهوى في دينه .
3-أن يجهل حكم مسألة ما ، فيستفتي عالمًا يثق به ، ثم يفتيه بما لا يرغب ، فيبحث عن عالم آخر ليفتيه بما يريد ، وهذا أيضًا محكم للهوى في دينه .
وهذا هو عين تتبع الرخص المنهي عنه ، وذلك لأنه يفضي إلى مفاسد كبيرة جدًا، مفاسد على الفرد ذاته ، تفسد عليه دينه وعبادته وتعامله ، ومفاسد يتعدى ضررها إلى المجتمع ، فيحدث الفرقة والاختلاف ، ويفضي إلى النزاع والتباغض ، كما يضيع الحدود المعروفة المتفق عليها عُرفًا ، ومعلوم أن للأعراف ميزان كبير في كثير من الأحكام ، إذ إنه ضابط لجانب منها .
وقد ذكر العلماء جملةً كبيرة من مفاسد تتبع الرخص ، ونُقل الإجماع على تحريم تتبع الرخص ، وروي عن الإمام أحمد تفسيق فاعل ذلك (8) ، ومما ذكر من تلك المفاسد:
1-الانسلاخ من الدين بترك العمل بالدليل إلى اتباع الخلاف (9) ، والعبد مأمورٌ عند التنازع بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (10) .إن ''الذي يلتمس التخفيفات ، ويتتبع مواطن الرخص ورفع الحرج ، بعيدًا عن الغاية الحقيقية ، من تمام العبودية ، وخالص الخضوع والطاعة لله وحده ، والسعي في جلب المصالح ودرء المفاسد …مدعيًا أن لا حرج في الدين فقد أخطأ وضل السبيل ، فلا يجوز أن تنقلب الوسائل غايات.. (11) .
2-قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ''.. ثم ذلك الخلاف قد يكون قولًا ضعيفًا ، فيتولد من ذلك القول الضعيف الذي هو خطأ بعض المجتهدين ، وهذا الظن الفاسد الذي هو خطأ بعض الجاهلين: تبديل الدين ، وطاعة الشيطان ، ومعصية رب العالمين ، فإذا انضافت الأقوال الباطلة إلى الظنون الكاذبة ، وأعانتها الأهواء الغالبة فلا تسأل عن تبديل الدين بعد ذلك ، والخروج عن جملة الشرائع بالكلية (12) .
3-إن تتبع الرخص قد يؤدي إلى خرق إجماع الأمة ، بتلفيق قول من مجموعة رخص ، مثال ذلك: أن بعض العلماء لا يشترط الولي في النكاح ، وبعضهم لا يشترط الشهود ، وبعضهم لا يشترط الصداق ، فلو جمع بين هذه الأقوال لتولد قول آخر ، بجواز النكاح بلا ولي ولا شهود ولا صداق ، وهذا لم يقل به أحد ، فهو مخالف لإجماع الأمة (13) . نُقل عن إسماعيل القاضي أنه قال: دخلت على المعتضد أحد خلفاء بني العباس ، فدفع إليَّ كتابًا ، فنظرت فيه ، فإذا قد جُمع له فيه الرخص من زلل العلماء ، فقلت: مصنف هذا زنديق ، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت: بلى ، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء ، وما من عالم إلا وله زلة ، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه . فأمر بالكتاب فأحرق ، وقال الأوزاعي: من أخذ بقول المكيين في المتعة ، والكوفيين في النبيذ ، والمدنيين في الغناء ، والشاميين في عصمة الخلفاء ، فقد جمع الشر (14) .
4-إن تتبع الرخص إسقاط التكليف في عامة مسائل الخلاف ، فيعد كل أمر مختلف في وجوبه ليس واجبًا ، وكل أمر مختلف في تحريمه مباحًا ، ومعلوم كثرة المسائل المختلف فيها ، فإذا اعتبر الخلاف في كل مسألة فسد دينه ؛ لأنه لم يجعله ضابطًا له ومانعًا ، وغير خافٍ ما في هذا الفعل من الاستهانة بالدين ، والتلاعب بحدوده ، والخلود إلى آراء البشر ، المعرضة للزلل والخطأ والضلال .
إلى غير ذلك من مفاسدها العظيمة .
إن هناك ضوابط كثيرة يجهلها كثير من الناس ، وإلى الجهل بها يرجع التساهل في شأن تتبع الرخص ، حتى إن بعضهم يراه أمرًا سائغًا جائزًا ، لا يشك في حله ، وأنا أريد أن أشير هنا إلى بعض تلك الضوابط
باختصار شديد ، فمن ذلك:
1-أنه لا يجوز للمستفتي أن يستفتي إلا العالم الثقة المجتهد ، ولا يجوز أن يستفتي من كان دون ذلك إلا أن يكون ناقلًا عن مجتهد .