2-فإذا وجد أكثر من مجتهد اختار أيهم شاء (15) .
3-فإذا سأل مجتهدًا فلا يسأل غيره ، إلا إن وجد أوثق منه ، فلا بأس أن يستفتيه .
4-وإذا تعارض عنده فتوى مجتهدين وجب عليه الترجيح بينهما ، بأن يختار فتوى أفضل المجتهدين علمًا وورعًا وتقوى . كذا فصل العلماء ، وفرقوا بين هاتين المسألتين ، وهما إذا لم يكن عنده علم بالحكم فله أن يستفتي من شاء بشرط أن يكون من أهل الاجتهاد، أما إذا علم أن مسألته قد أفتى فيها مجتهدان ، وكان حكمهما مختلفًا ، فأحدهما يحرم والثاني يبيح ، مثلًا ، أو أحدهما يوجب والثاني لا يوجب ، وجب عليه أن يأخذ بفتوى أوثقهما علمًا وورعًا وتقوى (16) .. وهذه المسألة من أكثر مسائل الفتوى اضطرابًا بين الناس ، فقد أخطأ كثير ، وظنوا أن المسائل الخلافية للعبد أن يختار أي الأقوال يوافق هواه ، وهذا خطأ محض ، بل يجب عليه أن يتقي الله فيما يأخذ وما يدع ، قال الشاطبي رحمه الله: (( ومتى خير المقلدون في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم ، لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة ) ) (17)
5-كما أنه لا يجوز له أن يعمل بالفتوى دون أن يطمئن لها قلبه ، فإن بعضهم يعمل بما وافق هواه ، وإن اعتقد أن القول الآخر هو الصواب ، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ''لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه ، وحاك في صدره من قبوله ، وتردد فيها ، لقوله صلى الله عليه وسلم: ''استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك'' (18) فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولًا ، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله ، إذا كان يعلم أن في الأمر الباطن بخلاف ما أفتاه … ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه ، إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن ، سواء تردد أو حاك في صدره ، لعلمه بالحال في الباطن ، أو لشكه فيه ، أو لجهله به ، أو لعلمه جهل المفتي ، أو محاباته في فتواه ، أو عدم تقيده بالكتاب والسنة ، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة أو غير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه'' (19)
-نتيجة:
بعد هذا العرض السريع ، والإشارات العابرة ، أحب أن أذكر عددًا من النقاط ، يمكن أن تضاف لتلك البرامج ، لعلها تؤدي نتيجة أفضل ، فمن ذلك:
1-أن يختار لهذه البرامج أفاضل العلماء ، وأكثرهم علمًا وورعًا ، وأخلاقًا وسمتًا وسكينةً وانضباطًا ، وألا ينظر في ذلك إلى المصالح الدنيوية ، كما يجب على هؤلاء العلماء أن يستجيبوا إذا دعوا لهذه البرامج وأمثالها ، وأن يحتسبوا في ذلك ، وأن لا يجعلوا الباب مشرعًا لغيرهم ممن هم دونهم .
2-أن يختار مقدمو هذه البرامج من طلاب العلم ، الذين يضعون بصمات حسنة مفيدة على البرنامج ، ولا يكون دورهم سلبيًا .
3-أن يستقبل المقدم الأسئلة على شكل مجموعات ، ثم يفرقها على المفتي ، حتى يتمكن المفتي من استحضار جوانب الفتوى لكل سؤال حال استقبال بقية الأسئلة ، وهذه الطريقة تجنب المفتي بعض المفاجآت ، وإن كانت تفوت محاورة السائل .
4-أن يبين المفتي عند المسائل الخلافية بعض جوانب الخلاف ، باختصار دون إسهاب ، وأن يثني على العلماء الآخرين ، ويبين وجاهة أقوالهم ، ثم يفتي بما يراه هو ، وهذا يكفل غرس الثقة في أقوال العلماء الآخرين ، ويقلص من خطورة تضارب الآراء .
5-أن يبين المفتي خطورة اتباع الهوى ، وما ينتج عن تتبع الرخص من مفاسد ، ويبين حرمة ذلك ، كما يجب أن يبن ضوابط الفتوى العامة ، أو يتولى ذلك مقدم البرنامج على مسمع من المفتي ، وأن يكرر ذلك بعد كل عدد من الحلقات ، حتى يستقر ذلك في أذهان الناس .
هذا .. واسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لكل خير ، وان يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا ، وأن يزيدنا علمًا ، إنه جواد كريم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
(1) - نهاية الوصول إلى علم الأصول 2/687 ، والإبهاج في شرح المنهاج 3/271 ، ومجموع الفتاوى 19/261.
(2) - الموافقات 5/102 . (بتصرف يسير) .
(3) - حكم شرب الدخان: 10-11.
(4) - هي ثوابت باعتبار المستفتي لا باعتبار الواقع الفقهي .
(5) - الفتوى بين الانضباط والتسيب: عن موقع المؤلف على الشبكة العنكبوتية .
(6) - المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب 1/ 107،108.
(7) - شرح منتهى الإرادات 5/106 .
(8) - الموافقات 5/102 (هامش: 1) .
(9) - الموافقات 5/94 ، 96 ، 99 ، 102.
(10) - سورة النساء من الآية: 59 .
(11) - رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ضوابطه وتطبيقاته: 14.
(12) - إغاثة اللهفان 2/146.
(13) - الموافقات 5/ 103 (هامش: 2) .
(14) - التعالم وأثره على الفكر والكتاب: 108.