إن المطلع على المناهج الدراسية للعلوم الإسلامية خصوصا، والتعليم عموما، يجد أن الأسلوب الغالب في التدريس هو الأسلوب نفسه، يتكرر لعقود من الزمن، ويتكرر في كل جامعة وكل معهد للدراسات الإسلامية، وفي معظم البلاد الإسلامية، وغيرها من بلاد العالم التي تحتوي على هذا النوع من الدراسات. فإن"التعليم عندنا يتمحور حول التلقين والحفظ وشحذ الذاكرة بعيدا عن التفكر والمقارنة والتمييز وتنمية الفكر" (4) ، ومن خلال تجربتي في التدريس في بلدي الجزائر، وبلدي الثاني ماليزيا، لطلبة متعددي الجنسيات، من المسلمين؛ عربا وعجما، نلحظ أن الأسلوب الغالب في تلقي الطلبة للمعلومات هو أسلوب التلقين والتحفيظ؛ باستعمال نسبي لتخطيط الشجرة عند الشرح، وهذا العيب الأول في طرق التدريس القديمة؛ إذ أن أسلوب تكديس المعلومات في ذهن الطالب هو الغالب والمتفشي بين صفوف المدرسين بما فيهم أساتذة الجامعات، فلا يستعمل الطالب إلا عملية التخزين والتكديس المعلوماتي، ولا يجد وقتا لتشغيل ذهنه حول استيعاب المادة بطريقة منطقية رياضية، وفي النهاية وبعد انتهاء الفصل الدراسي ينسى الطالب تماما ما تلقنه؛"ذلك أنه من المؤلم والمحزن حقا أن الدراسات الفقهية والشرعية بشكل عام تعاني، لأنها تخرج حفظة وحملة فقه في الأعم الغالب، ولا تخرج فقهاء ... تخرج نقلة يمارسون عملية الشحن والتفريغ والتلقين، ولا تخرج مفكرين ومجتهدين يربون العقل وينمون التفكير" (5) .
إن هذه النتيجة التي وصلنا إليها من أن هذه الطريقة تعد عيبا، ذلك أن طلبة القرن الواحد والعشرين لم يعد يهمهم الدرس بقدر ما يهمهم ما وراء أسوار المدرسة أو الجامعة، فإن العيب ليس في الطريقة ذاتها وإنما العيب في كيفية استعمالها، وتوقيتها، ومن الملقن والمخاطب، فإن كانت طريقة التلقين والتحفيظ سابقًا هي الطريقة المثلى لاستيعاب الطلاب ومرتادي المساجد للعلم الشرعي، حيث لم تكن الكتب والدفاتر متوفرة إلا بصورة قليلة، فإنها في العصر الحديث وفي ظل توفر الكتاب الدراسي المقرر ووسائل التدريس المعاصرة، فإن الاعتماد عليها بصورة كلية يعد هدرا للوقت.
والذي نأمله الآن أن تتغير منهجية التدريس في مدارس القرن الواحد والعشرين من نمط يقوم على الحفظ والاستظهار إلى نمط مغاير يتأسس على الفهم والتفسير والمقارنة والنقد؛ بغرض تحقيق أهداف الدراسة المذكورة آنفا، من خلال"تشجيع الطلبة على المشاركة في أهداف الدرس والنشاط وبعبارة تشجيعهم على تبني أهداف الدرس والأنشطة العلمية" (6) .
ويستتبع هذه الطريقة أن المدرسين يسردون المادة العلمية بطريقة جافة غير حيوية، مفرغة من مقاصدها، التي تعتمد على الأساس الإيماني الذي يشحذ الهمة، ويقوي عزيمة الطالب للبحث وتلقي العلم؛"لافتقارنا إلى الحافز العلمي في حقيقة أن ما يدرس في معاهدنا هو نوع من المعرفة غير المتسقة مع إيماننا، وحضارتنا، وأسلوب حياتنا" (7) ، فالبعد الإيماني لكل درس على حدة، له دلالته القوية على ارتباطه بحاجات الأمة الإسلامية، ناهيك عن تحبيب العلم في نفوس الطلاب، لأجل أن يتكونوا عقليا وعمليا، فيستطيعون الخروج إلى معترك الحياة أفرادا فعالين منتجين.
إن التعليم في البلاد الإسلامية ليس مجرد مناهج دراسية فصلية أو سنوية، يدخل فيها الطالب الامتحان لأجل اجتياز الامتحان، بل لها علاقة وثيقة بنهضة الأمة الإسلامية، من حيث أنها تنظر في احتياجات المسلم ليتفوق حضاريا بدينه وعلمه.
فنحن لا ندرس الفقه المعاصر مثلا؛ لأجل البحث عن حلول لتحديات ومشاكل دخلت إلى عقر دارنا، بل ندرسه لأجل أن يعرف الطالب الطرق الصحيحة لاستنباط الأحكام الشرعية من مظانها ومداركها للوقائع والنوازل، فأكثر المستجدات ليس فيها نص صريح في الدلالة على حكمها، بل يحتاج في ذلك إلى اتباع طرق مميزة ومنسقة لإدراك الحكم الشرعي، حتى وإن لم يكن فيها نص واضح أو محكم.
فبعد أن يلحظ الطالب أن مدرّسه توصل إلى إيجاد الحكم الشرعي للنازلة، بطرق سهلة وسلسة، باستخدامه مثلًا قواعد الشريعة العامة المتمثلة في المقاصد الشرعية، فهذا يعد بدوره تدريبا للطالب على استخدام مقاصد الشريعة في استخراج أحكام لوقائع لا نص فيها، وهنا سيجد الطالب أنه في قرارة نفسه يزداد يقينا بأن شريعة الله هي الشريعة الخالدة، وأنها جاءت ميسرة غير معسرة، وأن الأمة الإسلامية تستطيع بحق أن تكون الأمة المستخلفة في الأرض، والشاهدة على الأمم.