ولكن إذا كان المدرس مجرد ملّقن، لا يستعمل التحليل المنطقي العقلي في درسه، وهنا يكمن العيب الثاني؛ فإن الطالب لن يتفاعل مع المادة التي يتلقاها إلا تثاؤبا أو نقرا ورسما على أوراق بيضاء!! أو بالنظر في ساعته يرجو منها أن تسارع خطاها لتنتهي الحصة! لأنه لا يجد المؤثر والمحفز على التقاط المعلومة بطريق منطقي ومؤثر، يستفزه على الانتباه لمدرِّسه، فلو استعملنا معه أسلوب الإفهام والإقناع بدل التلقي لوجد محفزات التعلم تقوده نحو الإبداع بمبادرته للسؤال والمناقشة.
وعند الامتحان وتقويم الطالب تسترد بضاعة الأستاذ، فيسترجع الطالب كل ما تلقاه بالحرف، بغير زيادة أو نقص. فلا يحلل ولا يناقش، وسبب ذلك أن سؤال الامتحان نفسه يستدعي جوابا محفوظا! وهذا ثالث العيوب وأهمها. لماذا؟
لأن المقصود من التقويم"أن يهدف إلى معرفة مدى بلوغ الطلاب للأهداف المرغوبة ..."
ومعرفة المدى الذي استطاع الطلاب به بلوغ أهداف التدريس" (8) ."
إذ المفروض أن الطالب يوم الامتحان يبرز قدراته الإبداعية في استيعاب المادة والتفاعل معها تطبيقا وتحليلا ثم تقويما، لو كان سؤال الأستاذ قد استنفره للإبداع، وحفّز عقله وقدراته الاستيعابية نحو النقد البناء شرحا وتحليلا، حتى يأتي الطالب وقد استوعب أهداف تعلمه، في أننا نريد منه أن يتفاعل مع درسه بالقدر الذي فهم منه حاجتنا إليه كأمة مسلمة تعمل لأجل نهضتها.
وهنا يتوجب الحديث عن المنهج الجديد الذي يزيل آفات العيوب الثلاثة السابقة الذكر.
نحو منهج جديد للتدريس الفعّال:
بعد استعراضنا بشكل مختصر للمنهج القديم السائد في كثير أو أغلب الجامعات والكليات الإسلامية، نحاول الكشف - في الفقرات التالية - عن المنهج الجديد الذي نزيل به عيوب الطريقة القديمة، بغرض الوصول إلى تنمية المواهب الإبداعية في طلبة الدراسات الشرعية وكذلك مدرسّيها المُطالبين أمام مجتمعهم بمواجهة تحديات عصر العولمة، بتطويرهم المناهج الدراسية بما يتوافق ونهضة الأمة الإسلامية؛"والظاهر أن دراسة العلوم الإسلامية في مدارسنا والطريقة التي تدرس بها غير مناسبة تمامًا لهذا الغرض، ومن واجبنا إذن أن نمعن النظر في هذه المسألة بعمق" (9) ؛ فنهضة الأمة الإسلامية هي الغاية القصوى من وراء عملية المطالبة بتغير المناهج لا لأجل الإصلاح السياسي أو إملاءً ممن لا ترضيهم معايشة الطالب لواقعه وهو في الدرس!
فليس ذاك المقصود، ولكن لأن"المتغيرات الدولية التي تمر بها المجتمعات البشرية منذ العقد الأخير من القرن العشرين، والتي تجلت في أوضح صورها مع بداية القرن الواحد والعشرين، تفرض علينا تغيير الكثير من الاتجاهات التربوية والممارسات التعليمية التي لا تتلاءم مع متطلبات العصر الحديث ومتغيراته، حيث ظل التعليم في بلادنا ردحًا طويلًا من الزمن يعاني من الانفصال، بدرجة أو بأخرى، عن احتياجات المجتمع ومتطلباته" (10) .
فالمقصود إذن أن ننمي من خلال المناهج الدراسية التفكير الإبداعي لدى الطلاب، بغرض تحقيق نهضة الأمة الإسلامية، والنظر في احتياجاتها، ثم تحقيق أهداف عملية التدريس والتربية في إيجاد الطالب المسلم ذي الطاقات الإبداعية، القادر على العمل المستمر والمثابرة الدائمة.
ولأجل تحقيق هذه الأهداف والغايات النبيلة، يجدر بنا في البداية معرفة ماهية التفكير الإبداعي وأساليبه، ثم تطبيقها على العملية التربوية في مناهج العلوم الإسلامية.
ماهية التفكير الإبداعي:
يُعرِّف المتخصصون الإبداع بأنه:"المبادرة التي يبذلها المرء بقدراته على الخروج والانشقاق من التسلسل العادي في التفكير بتفكير مخالف كليةً" (11) .
أو هو"ثمرة تفكير ونظر للمألوف بطريقة أو زاوية غير مألوفة" (12) .
وفي السياق نفسه نجد مصطلح التفكير الابتكاري وهو القدرة على ابتكار وإنتاج أكبر عدد من الأفكار التي لها قيمة بحيث تؤثر تأثيرًا إيجابيًا في حياة الإنسان العملية والفكرية.
والابتكار إنتاج جديد هادف وموجه نحو هدف معين، وهو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة تحدث تغييرًا في الواقع لدى التلميذ، حيث تجاوز الحفظ والاستظهار إلى التفكير والبحث والتحليل والاستنتاج، ومن ثمَّ الابتكار (13) .
وتكمن أهمية التفكير الإبداعي في:
-بناء العقلية المتعلمة الناضجة القادرة على التحليل والمناقشة والتقويم لكل الأفكار التي تمر بالمتعلم.
-المرونة في التفكير، واستيعاب متغيرات العصر.
-والعمل على ربط التعليم بخطط التنمية في المجتمع.
-ويتيح بناء الطالب المتعلم والفرد الواعي بمتطلبات مجتمعه وأمته.
وأما التفكير الإبداعي في العلوم الشرعية فهو: قدرة طالب العلم على النظر في الأدلة، وتعرف أصول الاستنباط ووسائل الاجتهاد من خلال معرفة أسس الاجتهاد والإحاطة التامة بمقاصد الشريعة.