وبعبارة أخرى فإن التفكير الإبداعي الذي نأمله في أساتذتنا ابتداءً وطلبتنا تبعا هو: القدرة على النظر في الأدلة الشرعية، واستيعاب أساسيات الشريعة استيعابا يتيح استحضارها واستخدامها بطريقة منهجية عند الحاجة إليها، ومنها التعامل مع المستجدات والقضايا العصرية.
مستويات التفكير الإبداعي في العملية التعليمية:
1-التفكير الإبداعي على مستوى المدرس:
قبل الحديث عن الإبداع في المناهج التعليمية والدراسية، لابد من الحديث عن ممارس الإبداع، وهو المدرّس، المخطط للمنهج الدراسي وواضعه، فالمنهج الإبداعي لا يتأتى من منهج مفرغ، بل من المنهج المعّد بطرق إبداعية نقدية ابتكارية، التي تعتمد على الوسائل التعليمية مثل العلم والمعرفة، والفهم والتلقين، والشرح، ثم التحليل والنقد، وأخيرا عملية تقويم الاستيعاب.
وهذا العمل يقوم به المدرس المستوعب لأهداف العملية التربوية، والمؤهل بالفاعلية والمستوعب لمادة درسه استيعابا جامعا شاملا، في القدرة على المدارسة من المصادر الأصلية وفهمها، وأخيرا المعرفة بآليات الاجتهاد وأدواته ليستعملها مع النوازل والمستجدات الطارئة على المجتمع.
فالتدريس الفعّال المؤَسس على الإبداع هو الذي يعتمد على شخصية المدرس المتميزة الفعالة، والمعّد إعدادا يتماشى مع تحديات الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية، هذه الفاعلية التي تبرز في أولا: الإيمان بأهمية العمل من أجل تحقيق أهداف التدريس، وثانيا: بأهمية التدريس كأساس للإبداع والعمل الحثيث نحو نهضة الأمة.
والعمل لأجل تحقيق هذه الأهداف يظهر في طريقين أساسيين هما:
1.اكتساب المدرس لمهارات التفكير الإبداعي في نفسه.
2.ترغيب التفكير الإبداعي في نفوس الطلاب
فأما اكتساب المدرس لمهارات التفكير الإبداعي في نفسه ابتداء، فإنه يتأتى من خلال:
أولًا: المطالعة الدائمة والمتابعة لجديد دور النشر:
تنمو الأفكار وتنضج بفعل تلاقحها مع بعضها البعض من خلال النقاش بين أصحاب الرأي الواحد، أو بين أصحاب الآراء المتباينة، فإن النقاش من شأنه إثارة أسئلة وعلامات استفهام يحتاج الباحث للنظر فيها أن يقرأ ومعلومات جديدة، أو معلومات قد خفيت عليه، وليس كل الباحثين سواء في أبحاثهم وكتبهم.
فالمطالعة المستمرة وبصفة دورية تنشأ لدى المدرس آفاقا جديدة، تعينه على تيسير طريقة الدرس اليومي، فبدل أن يكرر المعلومات نفسها بالطريقة نفسها، يصبح بإمكانه تكرارها، ولكن بصيغ وتعابير جديدة غير مملة.
ثانيًا: إعداد البحوث الأكاديمية والمقالات:
سواء أكانت بحوثا فردية أو جماعية، يشترك فيها أكثر من أستاذ، في مؤسسة تعليمية واحدة أو مؤسسات متغايرة، أو كانت بحوثا أكاديمية بحتة، أو مقالات تنشر في الجرائد والمجلات العامة.
فإن الهدف من هذه البحوث، ليس مجرد الترقية في سلم العمل التربوي، بل إنها تهيء الأرضية الأساس للتعامل والتفاعل مع القضايا المعاشة، فيتبين أن المعلم ليس مجرد ملقن لدرسه في قاعة الدرس فقط، بل إنه ينظراحتياجات أمته ومجتمعه، ويحدد التحديات التي تواجهها أمته، ففي هذه البحوث تطرح الأسئلة وتثار المشكلات بغرض بحثها، وتبادل الآراء والأفكار حولها، للخروج بنظرة عملية تستنهض الأمة.
ثالثًا: التقويم المستمر:
بحيث يعد المدرس خطة عمل فصلية، ثم سنوية يبرمج فيها أهم الأعمال التي سيعدها خلال المدة المقررة، والتي تتناول جانب التدريس والإشراف، وإعداد البحوث الفردية أو الجماعية، ناهيك عن حضور المؤتمرات والندواتن وأخيرا بعض البرامج التي تُعد للمجتمع، في المساجد أو التعليم خارج المدرسة؛ من أجل معرفة مدى فاعلية المدرس في مجتمعه،كما هو معمول بها في الجامعة التي أُدرس بها وهذا البرنامج يسمى"الخدمة الاجتماعية"ومنه يُقوّم المدرس أيضا بالإضافة إلى ما سبق من برامج وأعمال بحثية وتعليمية.
ومن خلال جدول العمل الفصلي والسنوي يستطيع المدرس متابعة خطة السير، ومعرفة نفتط الضعف والقوة، وأسباب ذلك لتعديلها، وحتى يسير عمله بصورة منظمة غير مذبذة تخضع للظروف والطوارئ والفرص السانحة.
فالعمل الإبداعي هو الذي يسير وفق جدول عمل مخطط له، سواء أكان التخطيط على المدى القريب أو البعيد، فمن شأن التخطيط الذي يسير بجدول العمل نحو التطبيق وتحقيق الأهداف، أنه يؤدي إلى الثقة بالنفس، والتي بدورها تزيد من فاعلية العمل ومنه إلى العمل الإبداعي.
رابعًا: مواكبة التحديات والنوازل:
وحتى لا يبقى المدرس يعيش بين أسطر الكتب القديمة التي كُتبت وفقا لمتطلبات ونوازل عصرها، وظروف أفرادها، فإن المطلوب من مدرس العلوم الشرعية أن يواكب متغيرات وتحديات عصره الذي يعيشه، فإن التحديات تختلف من عصر لآخر، والمتغيرات الطارئة تتمايز وتتباين.
وأما منهج التعامل مع هذه التحديات يكون أكثر شيئ باستعمال آلية الاجتهاد، وعلم أصول الفقه فهو المنهح الأساس في التعامل مع نصوص الوحي استخراجا للأحكام الشرعية .