وخلاصة لما تقدم قد يلحظ القارئ أنني ركزت على وسائل تنمية الإبداع لما يخص المعلم، بما يمكن أن ينبع من ذاته هو نفسه، ومن دون الحاجة إلى تدريب عملي يحضره المدرس لأنه مجبر على حضوره؛ وإلا فإن الحديث عن أساليب تنمية الإبداع حديث طويل ومتشعب، ويختص به أهل واختصاصيي التربية بحديثهم عن"منظومة برامج تدريب المعلم في إطار الإبداع" (14) ، وهو مجال يتقنه أهله، وتراني لم أشر إليه من بعيد أو قريب، لأني ركزت الحديث عن إبداع المدرس نفسه بنفسه، وهو أمر لا يتقنه إلا المدرس المبدع.
وإذا ما تم إعداد المدرس إعدادا متميزا للوقوف في وجه التحديات التي يواجهها الإسلام والمسلمون، فإن إعداد الطلبة يكون سهلا!
(1) أصل هذا البحث ورقة بحثية ألقيت في المؤتمر الدولي: (الإسلام والمسلمون في القرن الواحد والعشرين: الصورة والواقع) ، كوالالمبور، مركز بوترا للتجارة العالمية، 4-6/8/2004م.
(2) كلية الشريعة والقانون، جامعة العلوم الإسلامية بماليزيا.
(3) إبراهيم أحمد مسلم، الجديد في أساليب التعليم (حل المشكلات، تنمية الإبداع، وتسريع التفكير العلمي) ، ط1، عمان: دار البشير، 1414هـ/1994م، ص135.
(4) عمر عبيد حسنة، من مقدمة كتاب: التعليم وإشكالية التنمية للدكتور حسن الهنداوي، ط1/2004م، الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص 23.
(5) عمر عبيد حسنة، من مقدمة كتاب: تكوين الملكة الفقهية للدكتور محمد عثمان شبير، ط1/1999م، الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص 39.
(6) مسلم، الجديد في أساليب التعليم، ص 142.
(7) محمد معين صديقي، الأسس الإسلامية للعلم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1409هـ/1989م، ص 58.
(8) يعقوب حسين نشوان، اتجاهات معاصرة في مناهج وطرق تدريس العلوم، ط2، عمان: دار الفرقان، 1994م، ص141.
(9) صديقي، الأسس الإسلامية للعلم، ص57.
(10) محمد إسماعيل محمد اللباني، التفكير الناقد ودوره في التعلم الفعال، ص3.
(11) عبد الرحمن صالح المشيقح، الطريق إلى الإبداع، ص22، نقلا عن صالح بن درويش حسن معمار، نحو تطوير العمل الإبداعي، مجلة جامعة أم القرى، ص163.
(12) نفس المرجع، ص163.
(13) د/ محمد حمد عقيل الطيطي، مهارات التفكير الإيجابي في المدرسة الأساسية، ورقة مقدمة للمؤتمر العلمي العربي الثالث لرعاية الموهوبين والمتفوقين 19 - 21 تموز 2003م، 19 - 21 جمادى الأولى 1424هـ، فندق هوليدي إن/ عمّان، ص17.
(14) تراجع هنا كتب: التربية عموما، واتجاهات التعليم، وفلسفة التربية خصوصا.
لمقررات الفقه وأصوله [2/3] (1)
د/ فريدة زوزو (2) 24/11/1425
وأما ترغيب التفكير الإبداعي في نفوس الطلاب فيتأتى من خلال:
علاقة المدرس والطالب:
لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن المدرس في الجامعة هو آخر مدرس يتعلم على يديه الطالب، وهو يفترق عن المعلم في المدرسة الابتدائية، هذا لأنه أول معلم، وبالتالي فإن أهداف المدرسة تختلف عن أهداف الجامعة باعتبارها المدرسة الأخيرة، ولأنه"ينظر إلى مؤسسات التعليم الجامعي باعتبارها المراكز الأساسية للبحث العلمي؛ فالمدرسون في هذه المؤسسات يتحملون أمانة العلم تبليغا وتعليما ونشرا، لكن عليهم أن يتحملوا هذه الأمانة إبداعا وإنتاجا" (3) .
ومن هنا كان على الأستاذ في الجامعة أن يتبع جملة من الأمور حتى ينتج طالبا حافظا مستوعبا، يملك أدوات الإبداع لا الحفظ فقط، ويحول الطالب السلبي إلى طالب إيجابي فعال من خلال السؤال أو النقاش، وإشراكه في محور الدرس استثارة له نحو التساؤل المجدي.
ونأخذ هنا مثالا، عند تدريسنا لمادة الفقه المقارن والتي لا يحبها أكثر الطلبة، لماذا؟ لأنها تعتمد أكثر شيئ على حفظ الأدلة الكثيرة والمختلفة بين المذاهب الفقهية، فهذا المذهب يستند على دليل من الحديث النبوي، والمذهب الآخر يفنده بحديث نبوي آخر، ليجد الطالب نفسه في معركة سيوفها هي نصوص الوحي نفسها. وكان الأولى بالمدرس أن يستعمل هذه المادة في بيان أهمية التفكير النقدي، عند النظر في دليل الخصم، بأن ينتقد بدليل أقوى حجة، استعراضا للأدلة القوية، ودحضا للأدلة الواهية؛ حتى يمكن الاستفادة حقا من كتب ومفردات الفقه المقارن، ومنه بيان سمو الشريعة الإسلامية وغناها بالآراء الفقهية في المسألة الواحدة، مما يُرفع به الحرج عند تعذر العمل بالحكم الشرعي الأصلي.