إن الحديث عن علاقة الشيخ بالقرآن الكريم تحتاج إلى مؤلف خاص، وهذا من مسؤولية أبنائه وإخوانه في جماعة تحفيظ القرآن الكريم، وفاء بحق الشيخ، ولتعرف الأمة كم فيها من رجال، وأسأل الله أن يجعله من الأخيار الذين قال فيهم - صلى الله عليه وسلم -:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه"وألا يحرمنا وإياه شفاعة القرآن كما ثبت في الحديث الصحيح"يأتي القرآن يوم القيامة شفيعًا لأصحابه".
الوقفة الثانية:
من أبرز صفات الشيخ قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع شجاعة نادرة في هذا المجال، وقوة حجة وسرعة بديهة، لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو من القلائل الذين اشتهروا في هذا الجانب، وله من المواقف والقصص ما سارت بها الركبان، يدخل على الأمراء والوزراء والمسؤولين والوجهاء والعامة ويتحدث دون خوف أو مهابة أو وجل، مع حكمة وبصيرة شهد له بها الجميع، لايذكر له منكر إلا ويفزع، فلا يقر له قرار حتى يقوم بما أوجب الله عليه، دون تردد أو تسويف، فكم من منكر عظيم أزاله، وكم من معروف أقامه، استمر على ذلك المنهج من شبابه حتى لقي ربه، وأحسب أنه يصدق عليه قول أبي سعيد الخدري لمن أنكر على مروان تقديم الخطبة على الصلاة يوم العيد:"أما هذا فقد قضى ماعليه"هكذا نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدا.
وقبل أيام من وفاته كنت مع شيخنا العلامة / عبدالرحمن البراك في مجلس التقى فيه عددًا من طلاب العلم، فذكر الشيخ أنه من العلماء القلائل في قوة الحجة وسرعة البديهة مع شجاعة نادرة، فرحمه الله رحمة واسعة .
الوقفة الثالثة:
اشتهر الشيخ بجولاته الدعوية الخاصة والعامة، في المدن والقرى والهجر والأرياف والبوادي، في المساجد والمدارس والجامعات والمؤسسات والمجالس الخاصة والعامة، يتحدث عن القرآن والسنة ويدعو إلى التوحيد، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يشيع الفضيلة، وينهى عن الرذيلة، ويدل الأمة على مافيه صلاحها وفلاحها، لايكل ولايمل، لايشغله عن ذلك شاغل مهما عظم، ولايصرفه عن الدعوة دنيا ولا ولد.
ويذكر أبناؤه وتلاميذه ومرافقوه في ذلك العجب، من الصبر والجلد والتحمل مما يعجز عنه كثير من الشباب، وبخاصة في السفر وزيارة المدن والقرى والهجر.
وآخر جولة دعوية قام بها إلى شمال المملكة عام 1423هـ، واستمر على ذلك حتى أقعده المرض واشتد عليه الألم فرحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا .
وأختم هذه الوقفات بما يلي:
1.عرف الشيخ بحبه للشفاعة لدى المسؤولين وسعيه إلى ذلك، وبخاصة إذا تعلق الأمر بطلاب العلم والدعاة مما قد يواجهونه في سبيل دعوتهم وتعليم الناس، بل إن الشيخ يرى أحيانًا أن الأمر من باب نصرة المظلوم وليس من باب الشفاعة فحسب، وأخذًا بقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -:"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا".
أما شفاعته للعامة فأشهر من أن تذكر، أخذا بقوله _سبحانه_:"مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا" (النساء: من الآية85) ويقول - صلى الله عليه وسلم -:"اشفعوا تؤجروا" (2) .
2.من أبرز ميزات الشيخ اطراده على منهجه وثباته عليه عشرات السنين حتى لقي ربه، مع ماواجهه في ذلك من ابتلاء ومشقة، فصبر وصابر، وجاهد واجتهد،فنسأل الله أن يجعله ممن قال فيهم:"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" (الأحزاب:23) .
والذي يعرف الشيخ منذ شبابه يعرف حرصه على التزام السنة والسير على هدي السلف وخير القرون، لم يغير ولم يبدل ولم يضعف ولم يفتر، مع مراعاته لظروف الزمان والمكان والحال والمحل، وهذا عين الحكمة"وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا" (البقرة: من الآية269) .
3.مع أن الشيخ حصل على أعلى الشهادات في زمنه، حيث تخرج في كلية الشريعة، مع سبق في طلب العلم على كبار العلماء والمشايخ، إلا أنه لم يعمل في أي وظيفة عامة أو خاصة، بل تفرغ للدعوة إلى الله وخدمة كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد فتح الله عليه من أبواب الرزق ما أغناه عن الخلق، بل إنه سخر ماله وثراءه في البذل في سبيل الله من نشر القرآن وتعليمه، والدعوة إلى الله ومساعدة طلاب العلم، والإنفاق على بناء المساجد ومؤسسات الدعوة، وكفالة الفقراء والأيتام والمساكين حتى لقب بأبي الأيتام والمساكين، وكان يسكن بجوار منزله السابق عشرات الفقراء والمساكين الذين وجدوا فيه الأب والمعين والمنفق سرًا وعلانية، فرحمه الله رحمة واسعة.