فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والمضحك في موقف التيئيسيين العرب أنهم كلما سمعوا عربيًا يبشر بالنصر ويدعو إلى شحذ الهمم سخروا منه فجأة وذكروه بشكل أتوماتيكي بأحمد سعيد الذي صار ديدنهم الدائم، مع العلم أن وسائل إعلام المقاومة اللبنانية ممثلة بقناة المنار ابتعدت كليًا عن الخطاب الإعلامي التهييجي والتطبيلي"السعيدي"في تغطيتها للحرب الأخيرة مع الصهاينة.
وقد لاحظنا أن خطابات السيد حسن نصر الله كانت متزنة وواقعية ورزينة إلى أبعد الحدود، فيما اتسمت التصريحات الإسرائيلية بنبرة عنترية مضحكة، بينما كان الجنود والضباط الإسرائيليون يتساقطون كالذباب أمام رجال المقاومة البواسل وبينما كا يشتكي سكان الملاجئ الإسرائيليون من أن صواريخ المقاومة جعلتهم"يعيشون كالكلاب في دهاليز مظلمة".
وقد رأينا أن معظم الجنود الإسرائيليين المصابين كانوا مستلقين على الحملات الطبية على بطونهم وليس على ظهورهم، مما يؤكد أنهم أصيبوا وهم هاربون من أرض القتال. وقد صلى الجنود بعد انتهاء المعركة بأن تكون حربهم الأخيرة مع المقاومة. لهذا كان حريًا بمروجي ثقافة الهزيمة العرب أن يشبهوا بيانات وسائل الإعلام الإسرائيلية بخطابات أحمد سعيد، إلا إذا اعتبروا الهمجية النازية التي مارستها الطائرات الإسرائيلية الجبانة بحق النساء والأطفال والشيوخ في لبنان انتصارًا عسكريًا. وهي بالتأكيد دليل يأس وعجز وهزيمة أكثر من أي شيء آخر.
لقد وصف أحد المعلقين سلاح الجو الإسرائيلي بعد الحرب الأخيرة بأنه سلاح الجبناء. فما الفائدة إذا استطاعت طائرات هتلر في الحرب العالمية الثانية تسوية بعض الأحياء اللندنية بالأرض بينما بقي تشيرتشل ومونتغمري يقودان المعركة على الأرض ضد القوات النازية الفاشية ويدحرانها على أكثر من جبهة؟
لقد أظهرت الإحصائيات التي نشرتها وكالة الأنباء الفرنسية نقلًا عن مصادر إسرائيلية أن القصف الإسرائيلي قتل ألفا وثلاثين لبنانيًا، خمسة منهم فقط عسكريون والباقي مدنيون، بينما قتل حزب الله مائة وثلاثين إسرائيليًا (حسب البيانات الإسرائيلية) مائة منهم من خيرة الضباط والجنود، والباقي مدنيون. لاحظوا الفرق! من المنتصر الحقيقي بربكم، الذي يقصف المشافي والسيارات المدنية والطرق والجسور، أم الذي يسحق الجنود ويجعل دبابات الميركافا العتيدة أثرًا بعد عين؟
ولو كنت مكان جوقة الانهزاميين العرب لخرست من الآن فصاعدًا،لأن البطولات التي سطرها رجال المقاومة في لبنان أنهت ثقافة الهزيمة لدى العرب إلى غير رجعة كما يتبين من ردة فعل الشارع العربي من المحيط إلى الخليج. لقد تغير الشعور العام مائة وثمانين درجة لدى العامة والخاصة على حد سواء. والدليل على ذلك أن ألد أعداء حزب الله راح يبارك صمود المقاومة وانتصاراتها، على مبدأ أن الهزيمة يتيمة وأن للنصر مليون أب.
لقد كان الشارع العربي هذه المرة حذرًا جدًا في التفاؤل، خاصة أنه تجرع في السابق مرارة الهزائم والتسرع في إعلان النصر. وقد تميزت ردود الفعل الشعبية بالتروي والانتظار على مدار الحرب، لكن الشارع بات متيقنًا مائة في المائة الآن أن النصر قد تحقق، وأن الشعور بالهزيمة الذي صاحبنا منذ عقود قد تلاشى تمامًا بعد أن تمكنت حركة مقاومة صغيرة جدًا من أن تدحر رابع أقوى جيش في العالم وتجعل أحد كهنة السياسة الإسرائيلية شمعون بيريز يصف الحرب الأخيرة بأنها"حرب حياة أو موت". صحيح أن الدولة العبرية لم تمت، لكنها برأي الشارع العربي والخبراء الاستراتيجيين فقدت هيبتها وتحطمت أسطورتها مهما دججوها بالعتاد والأسلحة الجهنمية. ألم تفقد إسرائيل وظيفتها الأساسية ككلب حراسة في المنطقة وأصبحت بحاجة حقيقية لمن يحرسها؟
ألا يشعر السواد الأعظم من العرب الآن أن النصر الكامل أصبح، قاب قوسين أو أدنى، في متناول اليد بالصواريخ فقط؟ ألا يشعر كل عربي من المحيط إلى الخليج بأنه مستعد لخوض المعركة ضد الأعداء بعد أن كان يلوذ بالخوف والصمت في السابق؟
لقد تخلص شارعنا من عقدة الذل والهزيمة، وهي، كما رأينا في كتاب (ثقافة الهزيمة) آنف الذكر أنها أخطر بكثير من الهزيمة ذاتها. ولا شك أن المثقفين العرب الحقيقيين سيستعيدون من الآن فصاعدًا زمام المبادرة ولن يخشوا تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية بعدما كانوا يتجنبون عبارات التحدي والمقاومة في الماضي.
ولعل النصر الأهم للمقاومة اللبنانية إذن ليس دفع نصف إسرائيل تحت الأرض كالفئران المذعورة ونقل المعركة لأول مرة في تاريخ الصراع إلى ساحة العدو الداخلية، بل تخليص الأمة من نير الهزيمة، بشرط أن نستغل ذلك النصر المعنوي العظيم للنهوض سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا وتكنولوجيًا واجتماعيًا كما فعل الألمان واليابانيون من قبلنا، وأن نحمي النصر التاريخي بأسناننا كي لا يفرغه الحاقدون من مضمونه، وألا نقايضه بمكاسب وصفقات ومتاجرات سياسية رخيصة، كما فعل البعض بعد حرب تشرين المجيدة ليحولوها وبالًا على العرب.