فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
[7] ومن هنا نرى أنَّ بعضَ العلماء قد جمعَ في تعريفِه للإخلاصِ بين مُراعاةِ هذه الأُسُسِ؛ فأحسنَ أيَّما إحسان، وتلقَّى العلماءُ تعريفَه بالقبول والاستحسان، وهو قولُ الفضيل بن عياض رحمه الله:"تركُ العملِ من أجلِ الناسِ رِياءٌ، والعملُ مِن أجلِ الناسِ شِرْكٌ، والإخلاصُ أن يُعافيَك اللهُ منهما". [7] فأشار بذكر الرِّياء إلى تنقيةِ النفس، وبالشِّرك إلى تنقية التوحيد، وبأداءِ العمل وتركِه من أجل الناس إلى تنقيةِ العمل. فما أجمعَ هذا التعريفَ وأروعَه!
[8] ولعلَّ استحضارَ هذه الأُسُس يفتح لنا بابًا واسِعًا من إدراكِ معاني الإخلاص إدراكًا صحيحًا؛ فإنَّ (الإخلاصَ) للهِ ربِّ العالمين مدرسةٌ تربويةٌ شامِلة، ومَوسوعةٌ أخلاقيةٌ مُتكامِلة؛ تتضمَّنُ طائفةً مِن شُعب الإيمانِ وجملةً من الخِصال الكريمة والآداب العظيمة.
[9] فـ (الإخلاص) هو المعيارُ الصحيحُ الذي تُوزَن به القِيَمُ وتُقاسُ به الأعمالُ، كما قال صاحبُ الظلال؛ مُبَيِّنًا أثرَ غيابِ الإخلاصِ في حُصولِ الفسادِ واختلالِ المَوازين في تفسير قولِ الله تعالى: (ألا إنهم هم المفسِدُون ولكنْ لا يشعرون) [8] :"الذين يُفسِدون أشنعَ الفساد، ويقولون: إنهم مُصلِحون كثيرون جدًّا في كل زمانٍ؛ يقولونها لأن الموازين مُختلةٌ في أيديهم. ومتى اختلَّ ميزانُ الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائرُ الموازين والقيم؛ والذين لا يُخلصون سريرتَهم لله يتعذرُ أن يشعروا بفسادِ أعمالِهم؛ لأن ميزانَ الخيرِ والشرِّ والصلاحِ والفسادِ في نفوسِهم يتأرجحُ مع الأهواء الذاتية ولا يثُوب إلى قاعدةٍ ربّانية". [9]
[10] والإخلاصُ بهذا الفهم الواسِعِ يُنمِّي الإيمانَ ويُنقِّي العقيدة ويُزكِّي الوِجدان، ويُهذِّب الملكاتِ الفكرية والنفسية والعلاقات الاجتماعية. وهذا مِن معاني قولِ الله عزَّ وجلَّ: (قُلْ إنَّ صلاتِي ونُسُكي ومَحياي ومماتي لله ربَِّ العالمين لا شريك له) . [10] "إنه التجرُّدُ الكاملُ لله، بكلِّ خالجةٍ في القلب وبكلِّ حركةٍ في الحياة: بالصلاة والاعتكاف، وبالمحيا والممات، بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراءه؛ إنها تسبيحةُ (التوحيد) المطلق والعبودية الكاملة، تجمع الصلاةَ والاعتكافَ والمحيا والممات، وتُخلِصها لله (ربِّ العالمين) القوَّام المهيمن المتصرِّف المربِّي الموجِّه الحاكم للعالمين.. في (إسلامٍ) كاملٍ لا يستبقي في النفسِ ولا في الحياةِ بقيَّةً لا يُعبِّدُها لله، ولا يحتجز دونه شيئًا في الضميرِ ولا في الواقع". [11]
[11] فليس الإخلاصُ فرعًا من الفُروع، يتفقَّدُه المسلم في صلاتِه هل خَلُصَتْ من الرياء أم لا؟ بل هو أحدُ الأصلَيْن العظيمَيْن اللَّذَيْن قام عليهما صَرْحُ هذا الدِّين، كما قال أهلُ العلم:"لا يكون العبدُ متحقِّقًا بـ (إياك نعبد) إلا بأصلَيْن عظيمين: أحدهما: متابعة النبيr والثاني: الإخلاصُ للمعبود"؛ [12]
[12] فقد ذكر العلامة ابنُ القيم رحمه الله أنَّ المُخلِصين"أعمالُهم كلُّها لله، وأقوالُهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعُهم لله، وحبُّهم لله، وبُغضُهم لله؛ فمعاملتُهم ظاهرًا وباطنًا لوجهِ الله وحدَه لا يريدون بذلك من الناسِ جزاءً ولا شكورًا، ولا ابتغاءَ الجاهِ عندَهم، ولا طلبَ المحمدةِ والمنزلة في قلوبِهم، ولا هربًا من ذمِّهم. بل قد عَدُّوا الناسَ بمنزلةِ أصحابِ القبورِ؛ لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا. فالعملُ لأجلِ الناسِ وابتغاء الجاهِ والمنزلة عندهم ورجائهم للضرِّ والنفعِ منهم لا يكون من عارِفٍ بهم البتة؛ بل من جاهلٍ بشأنِهم وجاهلٍ بربِّه؛ فمن عرفَ الناسَ أنزلَهم مَنازلَهم، ومن عَرفَ اللهَ أخلصَ له أعمالَه وأقوالَه وعطاءَه ومنعَه وحُبَّه وبُغضَه". [13]
[13] ولما كان (الإخلاص) بهذا المعنى مَوسُوعةً أخلاقيةً؛ فإنَّ الصدقَ والوفاءَ والبِرَّ والأمانةَ تنبع كلُّها من الإخلاصِ. بل إنَّ سائرَ مكارمِ الأخلاق تتصل بالإخلاص اتصالًا وثيقًا، وترتبط به ارتباطًا عميقًا. وقد ظهر ذلك في حديث هرقل وهو يسأل أبا سفيان بعد الحديبية عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ليختبر حقيقةَ رسالتِه وصدقَ دعوتِه؛ فبَيَّن أنَّ للإخلاص ثمراتٍ عظيمةً.
[14] منها: أنَّ صاحبَ الإخلاصِ ليس إمَّعةً يسمع الناسَ يقولون قولًا فيقول مثلَه، كما قال هرقل: (سألتُك: هل قال أحدٌ منكم هذا القولَ؟ فذكرت أن لا، فقلتُ: لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَه؛ لقلتُ رجلٌ يأتسي بقولٍ قِيلَ قبلَه) . [14] بل له عقلٌ مستقِلٌّ يهتدي بنورِ الله عز وجل.