فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 27345

فلا عجب أن يلتف الناس طوال شهر رمضان حول حلق القرآن وأن ترتفع أصواتهم به في البيوت ووسائل المواصلات؛ فهو شهر القرآن، ولا عجب أن يعيشوا معه قراءة في النهار وأن يطيلوا القيام به في الليل، وحبذا لو قرءوا فتدبروا ففهموا وعملوا ولا يكونون كمن يقرأ القرآن والقرآن يلعنه يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو من الظالمين.

فرص استجابة الدعاء

وفي شهر رمضان يكون الدعاء مستجابا بإذن الله، وللصائم دعوة مقبولة فليدع بالخير لنفسه وأهله وإخوانه، وليدع بالنصر لهذه الأمة المنكوبة المكلومة، عسى الله أن يقيلها من عثرتها، ويبدل ذلها عزا، وخوفها أمنا، وأن يوحد كلمتها ويهيئ لها قائدا ربانيا يقودها لخيري الدنيا والآخرة، ولا عجب أن يختم الله آيات الصيام بقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة: 186) .

إحياء سنة الاعتكاف

وفي آوخر الشهر يسن الاعتكاف حيث يترك الناس الدنيا وزخرفها وضجيجها وضوضائها، ولهوها وزينتها وينقطعون للعبادة والذكر والقيام والقرآن، وفي هذه الخلوة تتسامى أرواحهم، وتصفو نفسهم وتعلو هممهم، ويستمدون الطاقة من الله حتى يستعينوا بهذا الخير وبهذا الزاد طوال عامهم كما كان حال السلف حيث كانوا يتشوقون ويستعدون لرمضان ستة أشهر وينتفعون به ستة شهر، وبهذا تتحقق التقوى في أتم صورها كما أمر الله تعالى المسلمين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102) .

ومن أراد أن يموت على الإسلام فليعش دائما على الإسلام، وليكن جل دعائه، اللهم أحينا على الإسلام وتوفنا على الإيمان.

تعويد النفوس على البذل

وفي هذا الشهر فرضت زكاة الفطر وهي تخنلف في أحكامها عن زكاة المال التي لا يخرجها إلا من كان عنده مال فائض عن حاجته الضرورية وبلغ النصاب وحال عليه الحول، أما هذه الزكاة فتجب على كل من يملك قوت يومه، حتى لو كان فقيرا مستحقا للزكاة، يأخذ الزكاة من الناس ويعطي منها للفقراء حتى يتدرب على البذل والعطاء حتى ولو كان معسرا ويصدق فيه قول الله تعالى {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ...} (آل عمران: 134) .

وقد فرضت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي السنة التي فرض فيها صيام رمضان طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، وإغناء لهم عن ذل الحاجة والسؤال في يوم العيد.

وفي هذا البذل والعطاء الذي يأخذ هذه الطريقة المنظمة الشاملة العامة لأثر طيب في خُلق الغني وخُلق الفقير فيطهر نفس الغني من الشح والبخل، ويطهر نفس الفقير من الحقد والحسد، يعلم الغني أن المال مال الله وهو مستخلف فيه، ينفق حيث أمر الله ويمسك حيث نهى الله، ويعلم الفقير أن الله لم يتركه هملا ولن يضيع في وسط مجتمع مسلم يعرف حق الله في ماله.

التتويج بالفرحة والنصر

في نهاية هذا الشهر جعله الله عيدا يفرح الناس لأداء هذه الطاعة ولتوفيق الله وهدايته لهم ليعلموا كيف يفرحون ومتى يفرحون، يعرف المسلم أنه يفرح يوم أن يوفق لأداء عبادة من عبادات الله تعالى، ويحزن يوم أن يقترف إثما مما نهى الله عنه، وإذا فرح فرح على مراد الله لا على مراد نفسه {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس: 58) . حتى أضحى العيد وكأنه تتويج لهؤلاء الذين نجحوا في الاختبار فحصلوا على الجائزة عند نهاية هذا الشهر العظيم فكانت جائزتهم بداية الطريق للجائزة الكبرى إن شاء الله. ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت