وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، هو عين مذهب أهل السنة والجماعة، بل كل من يخالف ذلك يعتبر خارجًا عن مذهب أهل السنة بقدر مخالفته لهم، خاصة إن كان خلافه لهم يتعلق بأصل من أصولهم،كالمسألة التي نحن بصددها.ومن الأدلة الشرعية على دخول الأعمال في مسمى الإيمان قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} .
وإنما أداة حصر تدل على القصر، أي يبين الله سبحانه أن الإيمان مشتمل على عمل الباطن وعمل الظاهر، فقوله: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} عمل الباطن وهو القلب، وقوله: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} عمل الجوارح، ثم قال سبحانه: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} . فالمؤمنون الحق، أي الذين تحققوا على حقيقة الإيمان، أي هم الذين يجمعون بين عمل الباطن وعمل الظاهر، وقال سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} ، ففي هذه الآية الكريمة يقسم الله سبحانه وتعالى بنفسه لرسوله صلى الله عليه وسلم نافيًا الإيمان عن الزاعمين له حتى ينقادوا ظاهرًا وباطنًا إلى حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقوله سبحانه: {حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} . دليل على انقياد الظاهر. وقوله سبحانه: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ} . دليل على انقياد الباطن. والفرق بين الآيتين، أن الآية الأولى دلت على إثبات الإيمان لمن جمع بين عمل الظاهر وعمل الباطن، والآية الثانية،دلت على نفي الإيمان عن الذين لا ينقادون إلى حكم الله ظاهرًا وباطنًا.
ولكن قد يقول البعض: إن نفي الإيمان هنا يدل على نفي الكمال وليس الحقيقة.
أقول: هذا أيضًا بناء على أصل مذهبهم القائم على إخراج العمل عن مسمى الإيمان،وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة ولنأخذ على سبيل المثال هاتين الآيتين: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} .
جاء في سبب نزول هاتين الآيتين في تفسير"الدر المنثور في التفسير بالمأثور"؛ أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم . وفرقة تقول: لا . فأنزل الله {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ..} الآية كلها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة) .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن سعد بن معاذ الأنصاري أن هذه الآية أنزلت فينا {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} ؛ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: (من لي بمن يؤذيني ويجمع لي في بيته من يؤذيني ؟ فقام سعد بن معاذ فقال: إن كان منا يا رسول الله قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فأطعناك . فقام سعد بن عبادة فقال: ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عرفت ما هو منك . فقام أسيد بن حضير فقال: إنك يا ابن عبادة منافق تحب المنافقين . فقام محمد بن مسلمة فقال: اسكتوا أيها الناس، فإن فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرنا فننفذ لأمره . فأنزل الله {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} الآية) .