فهرس الكتاب

الصفحة 24906 من 27345

وحال كثير من هؤلاء كحال ذلك الشاب الذي رآه أحمد بن علي بن الآبار، قال:"رأيت بالأهواز رجلًا حف شاربه، وأظنه قد اشترى كتبًا وتعبأ للفُتيا، فذكروا أصحاب الحديث، فقال: ليسوا بشيء وليس يسوون شيئًا، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي، قال: أنا! قلت نعم، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت. فقلت: وإيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدت؟ فسكت! قلت: مالك لا تكلم؟ ألم أقل لك إنك لا تحسن تصلي؟ إنما قيل لك: تصلي الغداة ركعتين، والظهر أربعًا، فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث، فلست بشيء ولا تحسن شيئًا" ( ) .

ثانيًا: الورع:

يتجرأ بعض الناس فيطلقون الأحكام جزافًا بدون تورع، فيجرحون ويعدلون، ويخطؤون ويصوبون، قبل أن يستوعبوا الأمر ويجمعوا أطرافه.

وحينما تتفلت الألسن من قيودها الشرعية والعقلية، فإنها سوف تتبارى في الوقيعة في أعراض المسلمين، وتجلب العداوة والبغضاء بين الأحباب. ولو تأمل الإنسان ما ورد في مثل هذا الباب من النصوص الشرعية لتردد كثيرًا قبل أن يسلّ لسانه ويرمي به هنا وهناك.

قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [سورة ق: 18] .

وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: (( ... ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله. فأخذ بلسانه، فقال كُفّ عليك هذا، فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم ـ أو قال: على مناخرهم ـ إلا حصائد ألسنتهم؟ ) ) ( ) .

وأشار ابن القيم إلى فائدة عجيبة قلَّ من ينتبه لها، حيث قال:"ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه! حتى يُرى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا ينزل منها أبعد ممَّا بين المشرق والمغرب. وكم نرى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات لا يبالي ما يقول!" ( ) .

تأمل ـ يا رعاك الله ـ كلام الإمام ابن القيم، ثم قلّب نظرك في المحاضن الدعوية التي من حولك، وسوف ترى أن أكثر التهارش واللغط والجدل الدائر فيها، إنما هو بسبب قلّة الورع. نسأل الله العفو والعافية. وها هنا موقف ورع كريم يحسن الوقوف عليه:

قال عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني:"كنا في مجلس عبد الرحمن بن مهدي، إذ دخل عليه شاب، فما زال حتى أجلسه إلى جنبه. قال: فقام شيخ من المجلس فقال: يا أبا سعيد إن هذا الشاب يتكلم فيك حتى إنه ليكذبك، فقال عبد الرحمن: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. قال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [سورة فصلت: 34 ــ 35] ."

ثم قال عبد الرحمن: حدثني أبو عبيدة الناجي قال: كنا في مجلس الحسن البصري إذ قام إليه رجل فقال: يا أبا سعيد إن هاهنا قوما يحضرون مجلسك ليتتبعوا سقط كلامك. فقال الحسن: يا هذا إني أطمعت نفسي في جوار الله فطمعت، وأطمعت نفسي في الحور العين فطمعت، وأطمعت نفسي في السلامة من الناس فلم تطمع، إني لما رأيت الناس لا يرضون عن خالقهم علمت أنهم لا يرضون عن مخلوق مثلهم" ( ) . من لوازم الورع:"

والورع له لوازم كثيرة جدًا، أذكر منها: (1) أن يكون الناقد عفيف اللسان، يكسي ألفاظه بأحسن الأدب، ويختار أدلها على المقصود؛ بألطف عبارة، ويربأ بنفسه عن الفظاظة والغلظة ووضيع الكلام، فما كان رسول الله فاحشًا ولا متفحشًا ولا بالبذئ.

قال السخاوي:"وإذا أمكنه الجرح بالإشارة المفهمة، أو بأدنى تصريح، لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمر المرخص فيها للحاجة لا يُرتقى فيها إلى زائد على ما يُحصل الغرض، وقد روينا عن المزني قال: سمعني الشافعي يومًا وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: يا إبراهيم! اكس ألفاظك، أحسنها، لا تقل كذاب! ولكن قُلْ: حديثه ليس بشيء."

ونحوه: أن البخاري لمزيد ورعه قلّ أن يقول كذاب أو وضاع، أكثر ما يقول: سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه، ونحو هذا، نعم ربما يقول: كذّبه فلان، أو رماه فلان بالكذب" ( ) . (2) الحرص على ستر المسلمين:"

ولا يقوم بذلك إلا من عمر قلبه بخشية الرحمن ـ سبحانه وتعالى ـ، وما أجمل ما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (( لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستره عليه ) ) ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت