فهرس الكتاب

الصفحة 24907 من 27345

وعلى هذا المنهج القويم سار أئمة الحديث، فها هو ذا يحيى بن معين، إمام الجرح والتعديل، يقول:"ما رأيت على رجل خطأً إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أُبين له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قَبِل وإلا تركته" ( ) .

وهذه القاعدة النفسية لابن معين في غاية الأهمية، لأن ابن معين من أجل أئمة الجرح والتعديل، وأعرفهم بالرجال، ومع ذلك يقول هذه الكلمة التي تلخص منهج أئمة الحديث في التعامل مع أخطاء وزلات أهل العلم والفضل. (3) إذا كان الجرح بسبب واحد يكفي، ويحقق كامل المراد، فلا ينبغي التوسع لغير حاجة، قال السخاوي:"لا يجوز التجريح بسببين إذا حصل واحد. قال العز بن عبد السلام في قواعده: إنه لا يجوز للشاهد أن يجرح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة فليقدر بقدرها، ووافقه القرافي، وهو ظاهر" ( ) . (4) على الناقد أن يقتصر على المقصود من النقد ولا يتوسع أو يتجاوز ذلك إلى غيره مما ليس له علاقة بالهدف، كالهمز أو اللمز أو الشتم، ولهذا أنكر بعض المحدثين على من قال عن عبد الملك بن مروان: أنه أبخر الفم، لأن هذا ليس مؤثِّرًا في الرأي أو الرواية، فلا مصلحة من ذكره ( ) .

إنَّ المتأمل في ورع المحدثين وتقواهم لله عز وجل يُكبر فيهم هذه الروح المخبتة المنيبة. وأحسب أن شيوع هذه الصفة العزيزة في صفوف الدعاة، وتربيتهم عليها سيقطع ـ بإذن الله تعالى ـ كثيرًا من التنابذ والتهارش، وسيسهم كثيرًا في توحيد صفوف الدعاة والمصلحين، ويبنيها بناء متماسكًا.

ثالثًا: التجرد والحذر من الهوى:

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا) [سورة النساء: 135] ، فالهوى من النوازع الخفية التي تتسلل إلى قلب المرء تدريجيًا حتى تسيطر عليه من حيث لا يشعر، وهو باب عريض من أبواب الضلال لا يولّد في أحكام المرء إلا الجور والظلم، أو الغلو في التزكية والمديح، ولهذا أوصى الله عز وجل نبيه داود ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ بالحذر من الهوى، فقال: (يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [سورة ص: 26] .

لقد تأملت أكثر الخلاف والتنازع الذي يسري في بعض صفوفنا الدعوية والتربوية سريان النار في الهشيم؛ فرأيت أكثره لا يخلو ـ والعياذ بالله تعالى ـ من الهوى الذي لا يزال يصَّاعد ويصّاعد حتى يوغر صدور الدعاة، يدفعها دفعًا للتدابر وإساءة الظن!

ومن وقع في شراك الهوى، انقلبت عنده الموازين، وانتكست عنده الأحكام، وأصبح الحق باطلًا، والباطل حقًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وصاحب الهوى يعميه الهوى ويُصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة وأنَّه الحق وهو الدين، فإذا قدّر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء، ليعظم هو ويثني عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا، أو لغرض من الدنيا، معه حق وباطل، وسنة وبدعة، ومع خصمه حق وباطل، وسنة وبدعة" ( ) .

وقال ابن القيم:"وعلى المتكلم في هذا الباب وغيره: أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق، وغايته: النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولإخوانه المسلمين. وإن جعل الحق تبعًا للهوى: فسد القلب والعمل والحال والطريق.. فالعلم والعدل: أصل كل خير، والظلم والجهل: أصل كل شر، والله ـ تعالى ـ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا يتبع هوى أحد منهم.." ( ) .

وقال ابن ناصر الدين الدمشقي:"هيهات هيهات! إن في مجال الكلام في الرجال عقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقيها هوى لا منجى له من الإثم والوزر. فلو حاسب نفسه الرامي أخاه: ما السبب الذي هاج ذلك؟ لتحقق أنَّه الهوى الذي صاحبه هالك" ( ) .

المبحث الثاني

ضرورة التأني والتثبت

من القواعد العلمية المتفق عليها: أنَّ العلاقات بين الناس، والموقف من الدعاة والمصلحين، يجب أن يبنى على التأني والتثبت، ولا يجوز أن يكون الإنسان عجولًا يُلْقى أحكامه قبل فحصها وتقليبها وعرضها على القواعد والموازين العلمية، فيكون كلامه بعد تمام النظر واستيفاء البحث.

وكم جرَّ التسرع وضعف التثبت والتحري على كثير من الدعاة: المشكلات والنزاعات، التي أوغرت الصدور ومزقت الصفوف!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت