قال المعلمي اليماني:"والحكم على العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبر وتثبت، أشد مما يحتاج إلى الحكم في كثير من الخصومات، فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم، فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة دراهم، فأما الحكم على العالم والراوي فيخشى منه تفويت علمٍ كثيرٍ وأحاديث كثيرة، ولو لم يكن إلا حديثًا واحدًا لكان عظيمًا" ( ) .
ومن لوازم التثبت:
(1) أن لا يعتمد على الكلام الشائع الذي يلوكه الناس بدون بصيرة أو فهم، فكم من المنقولات التي نسمعها هنا وهناك عن العلماء والدعاة والمصلحين إذا وضعت في ميزان البحث العلمي؛ تبيَّن أنها غير صحيحة، أو غير دقيقة!
والناقل المؤتمن لصدقه لا يقبل قوله بإطلاق، بل لا بد أن يجتمع مع الأمانة سلامة البصيرة واستقامة الفهم.
قال ابن تيمية:"كثير من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم، وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس، ويتعذر على بعضهم" ( ) .
وقال السبكي:"فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيُغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره، واستن بسنته، مع أن المؤلف لم يرد ذلك الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل..!"
فإذا كان الرجل ثقةً ومشهودًا له بالإيمان والاستقامة، لا ينبغي أن يُحْمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعوّد منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله" ( ) ."
وأحسب أن كثيرًا من نقلة الأقاويل بين الدعاة والمصلحين في عصرنا هذا لا يبعد عن كيسان، الذي قال عنه شيخه أبو عبيد:"كيسان يسمع غير ما أقول، ويقول غير ما يسمع، ويكتب غير ما يقول، ويقرأ غير ما يكتب، ويحفظ غير ما يقرأ" ( ) . (2) إحسان الظن والتماس العذر:
من الناس من يطلق لخياله العنان، ويَصُوغ شتى التصورات التي تنسب إلى الناس التُّهم، وتوقعهم في البلاء.
وسوء الظن يجعل الإنسان يتجه اتجاهًا مغايرًا لما أراده الناس، ويقوم بتفسير الكلمات والوقائع بناءً على خلفيات نفسية مبيَّتة، فيُفرّغ كل كلمة من مضمونها ويملؤها بمعان أخرى عديدةٍ ليست من مدلولها، ثم يمارس ـ دون وعي ـ نوعًا من التحليل الفاسد لما يراه ويسمعه، ثم يضخم إحساسه تضخيمًا مسرفًا دون أي تحفظ!
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) [سورة الحجرات: 12] .
ويبدو أن الخلفية النفسية للظن السيء تنبئ بقلبٍ عامرٍ بألوان عديدةٍ من ألوان الفساد: كالأثرة، وحب الذات، والحسد، والرغبة في الوقيعة بأعراض المسلمين.
بينما ترى المرء الذي يحرص على إحسان الظن بإخوانه المسلمين ويلتمس لهم المخارج؛ يمتلئ قلبه حبًا للآخرين وإشفاقًا عليهم ورحمة بهم.
ولهذا كان الواجب على العاقل اللبيب إذا سمع ما لم تطمئن له نفسه عن أحد من الدعاة أو العلماء أن يظن بهم خيرًا، ويحمل ما سمعه على أحسن المحامل الممكنة، ولا يترك للشيطان فرصة العبث بينه وبين إخوانه، وهذا بابٌ مهمٌ من أبواب وحدة الصفوف، قال الله تعالى بعد حادثة الإفك: (لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ) [سورة النور: 12] .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا ) ) ( ) .
وقال ابن القيم:"والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، ويريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عنه" ( ) . (3) إقالة عثرات ذوي الهيئات: ومن لوازم التأني: إقالة عثرات ذوي الهيئات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أقال عثرةً؛ أقاله اللّه يوم القيامة ) ) ( ) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود ) ) ( ) .
قال الإمام الشافعي:"ذووا الهيئات الذين يقالون عثراتهم: الذين ليسوا يُعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة" ( ) .
وقال ابن القيم:"الظاهر أنهم ذووا الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن اللّه تعالى خصهم بنوع تكريمٍ وتفضيلٍ على بني جنسهم، فمن كان مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا غضب صبره، وأديل عليه شيطانه؛ فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حدًا من حدود الله، فإنه يتعيَّن استيفاؤه من الشريف، كما يتعيَّن أخذه من الوضيع."
وهذا بابٌ من أبواب محاسن الشريعة الكاملة وسياستها للعالم، وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد" ( ) ."