فهرس الكتاب

الصفحة 24909 من 27345

وهذه القاعدة تحفظ لعلمائنا ودعاتنا أقدارهم؛ فليس كل زلّة عارضة توجب إسقاطهم، ولو عملنا بها لقطعنا السبيل على كثير من المتسرعين الذين يفرحون بمثل هذه السقطات، ويشيعونها، وقد قالها مدوية الحسن بن سفيان ـ وهو من أئمة المحدثين ـ لأحد تلاميذه بعد أن أثقل عليه:"اتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة!" ( ) .

المبحث الثالث

الإنصاف والبعد عن العصبية

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [سورة المائدة: 8] .

منهجٌ دقيق يُمثّل جميع صور القسط والعدل مع القريب والبعيد، وينهى عن جميع صور الجور والظلم مع كلِّ أحد، فـ"الظلم محرم بكل حال، فلا يحل لأحد أن يظلم أحدًا، ولو كان كافرًا" ( ) .

ومن لطائف هذا الباب ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (( أفاء الله ـ عز وجل ـ خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إليّ، قتلتم أنبياء الله ـ عز وجل ـ، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسقٍ من تَمْرٍ، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذنا فاخرجوا عنا ) ) ( ) .

وفي عصرنا هذا الذي عزّ فيه الإنصاف، يحتاج الداعية إلى الرجوع إلى منهج المحدثين ليزن الأمور كلها بالميزان القسط، حيث أصبحت الأهواء هي التي تتحكم في الآراء والتوجهات، حتى إن الإنسان قد يتغاضى عن أخطاء من يحب ـ مهما كانت كبيرة ـ ويزينها، بل تتحول هذه الأخطاء إلى محاسن ويجعل محبوبه في أعلى المنازل ولا يقبل فيه نقدًا أو مراجعة!

وفي المقابل تراه إذا أبغض أحدًا ـ لهوى في نفسه أو تقليدًا لغيره ـ جرّده من جميع الفضائل، ولم ينظر إلا إلى سيئاته وزلاته يضخمها، وينسى أو يتناسى محاسنه الأخرى مهما كانت بيِّنة، بل قد تتحول المحاسن ـ المتفق على حسنها ـ إلى سيئات، لغلبة الهوى والبغض، والعياذ بالله!

قال الإمام ابن القيم:"واللّه ـ تعالى ـ يحب الإنصاف، بل هو أفضل حِلية تحلّى بها الرجل، خصوصًا من نَصَّب نفسه حكمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال الله ـ تعالى ـ لرسوله: (وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) [سورة الشورى: 15] . فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه؛ بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره، وينْزِل بنزوله، يَدِين العدل والإنصاف، ويُحكِم الحجة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو العلم الذي قد شمّر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه، ولا يثني عنانه عنه عذل عاذل، ولا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يعيده عنه قول قائل" ( ) .

ومن لطائف الإنصاف ذلك الحوار الماتع بين المِسْور بن مخرمة ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، قال الزهري:"حدثني عروة أن المِسْور بن مخرمة أخبره أنه وفَد على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: يامِسْور، ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعْنا من هذا وأحسِن. قال: لا واللّه، لتكلِّمني بذات نفسك بالذي تعيب علَّي، قال مِسْور: فلم أترك شيئًا أعيبُه عليه إلا بيَّنتُ له. فقال: لا أبرأ من الذنب، فهل تعُدُّ لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامَّة، فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها، أم تعُدُّ الذنوب وتترك المحاسن؟ قال: ما تُذكر إلا الذنوب. قال معاوية: فإنَّا نعترف للّه بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوبٌ في خاصتك تخشى بأن تَهْلك إن لم تُغْفَر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحقَّ مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أُخيَّر بين أمرين، بين الله وبين غيره، إلا اخترت الله على ما سواه، وإني على دين يُقبل فيه العمل ويُجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها، قال: فخصمني. قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلَّى عليه" ( ) .

يا سبحان الله! أرأيتم كيف أن الإنصاف سببٌ للمِّ الشَّعْث وتقارب القلوب؟

لوازم الإنصاف:

(1) قبول الحق من كل من قاله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت