فالحق ضالة المؤمن، يَقْبله من كل من قاله كائنًا من كان، ومن أدلة هذا الباب: ما روته قتيلة بنت صيفي رضي الله عنها قالت: (( أتى حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! نِعْم القوم أنتم لولا أنكم تشركون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله وما ذاك؟ قال: تقولون إذا حلفتم والكعبة، قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، ثم قال: إنه قد قال، فمن حلف فليحلف برَبِّ الكعبة. قال: يا محمد! نِعْم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندًا، قال: سبحان الله وما ذاك؟ قال: تقولون ما شاء وشئت.
قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم قال: إنه قد قال، فمن قال ما شاء الله فليفصل بينهما: ثم شئت )) ( ) .
قال ابن تيمية:"والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلمٍ، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني ـ فضلًا عن الرافضي ـ قولًا فيه حَقٌّ أن نتركه أو نَرُّّده كله، بل لا نرد إلا ما فيه الباطل دون ما فيه من الحق" ( ) .
(2) الخطأ اليسير في جنب الصواب الكثير مغفورٌ:
فالإنصاف يقتضي اغتفار الأخطاء اليسيرات للعلماء الدعاة والمصلحين، قال ابن القيم:"من قواعد الشرع والحكمة أيضًا: أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خَبثُ، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخَبَث، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث.."إلى أن قال:"وهذا أمرٌ معلومٌ عند الناس مستقرٌّ في فطرهم: أنه من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها، حتى إنه ليختلج داعي عقوبته على إساءته، وداعي شكره على إحسانه، فيغلب داعي الشكر لداعي العقوبة كما قيل:"
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد***جاءت محاسنه بألف شفيع" ( ) "
ومن الأدواء المحزنة أن بعض الجهلة لا يرى إلا الأخطاء مهما كانت صغيرة، ويحرص على تتبع سقط العلماء والدعاة والعياذ بالله، وهذا الداء سببٌ ظاهرٌ ملموسٌ من أسباب التفرق واختلاف القلوب، وقد شبّه إمام المحدثين سفيان بن عيينة القوم الذين يتصيدون العثرات، ويكتمون الخيرات تشبيهًا شديدًا، قال فيهم:"ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي لها الطعام الطيب عافته، فإذا قام عن رجيعه ولغت فيه، فكذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، فإذا أخطأ الرجل عن نفسه أو حكى غيره، تروّاه وحفظه!" ( ) .
وذكر ابن تيمية:"أن الجاهل بمنزلة الذباب الذي لا يقع إلا على العقير ـ يعني الجريح ـ ولا يقع على الصحيح"، ثم قال:"والعاقل يزن الأمور جميعًا: هذا وهذا" ( ) .
(3) الحذر من التقليد والعصبية الحزبية:
وهذه آفة ٌمن أشد الآفات، وكثيرٌ من النزاعات والخلافات التي َتحْدُث بين العلماء وطلبة العلم والدعاة قديمًا وحديثًا، إنما هي بسبب العصبية الحزبية والتقليد الأعمى للشيوخ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من نصر قومه على غير الحق؛ فهو كالبعير الذي رُدِّي، فهو يُنزع بذنبه ) ) ( ) .
تأمل الواقع الدعوي بإنصاف، وسوف تقف على داءٍ خطيرٍ ينخر في الصفوف نخرًا شديدًا!
ولقد كان التعصب في التاريخ الإسلامي يتلبس بلباس المذهبية الفقهية، فأضحى في عصرنا الحاضر يتلبس بلباس الحزبية.
والتربية الحزبية التي درج عليها بعض العاملين للإسلام ـ غفر الله لنا ولهم ـ مِعْول هَدْمٍ يُعطل عقل الإنسان، ويقتل ملكات الإبداع والتفكير، ويا أسفي الشديد على أقوام جرّهم التعصب وتقليد الرجال إلى كتم الحق، وتحريف الأخبار، والاشتغال بالأعراض، وتمزيق الصفوف.. والله المستعان!
قال السبكي:"الجارح لا يُقْبل منه الجرح وإن فسر، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي أو منافسةٍ، كما يكون من النظراء أو غير ذلك" ( ) .
وقد ذكر ابن القيم قاعدةً جامعةً، قال فيها:"عادتنا في مسائل الدِّين كلها دِقِّها وجلّها، أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفةٍ على طائفة، بل نوافق كل طائفةٍ على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفةً ولا مقالةً" ( ) .
ولو أن هذه القاعدة صارت شعارًا لجميع الدعاة في هذا العصر لرأينا خيرًا كثيرًا، ولسلمنا من كثيرٍ من الافتراق والتنازع.
المبحث الرابع
الأمانة العلمية عند المحدثين