وبعد دراسات المشردين وشبابهم وقع الاختيار على شابٍ لم يتجاوز الثلاثين من العمر يدعى: عبد الرءوف أفندي. كان عبد الرءوف في الأصل من صنعاء، وقدم جده إلى عدن حيث نشأ عبد الرءوف وكان بين الذين شُرّدوا فانتقل إلى منطقة [العوالق] وهناك درس. ولما وقع الاخيتار عليه ليقوم بالمهمة عرض عليه سلطان [العوالق] ، وهو الرجل البارز بين السلاطين يومذاك أن يختار شبابًا يثق بهم، ويقوموا على تأسيس منظمة تتولى مهمة العمل لطرد البرتغاليين المغتصبين، وتقوم السلطات بدعم هذه المنظمة، ومدّها بما تحتاج إليه، فإن تبنّى أبناء البلد مهمة العمل أفضل من غيرهم، وخاصة أمام المحافل الدولية إذ أنهم يطالبون بحقّهم المغصوب، ويسعون للعودة إلى وطنهم المسلوب؛ فلن يلومهم أحد، وأتعهد أنا سلطان [العوالق] بتأمين الإمكانات اللازمة الضرورية والمبدئية للعمل، وسأوحي لأعواني ومن يؤيّدونني بالانضمام إلى المنظمة أو دعمها على الأقل، وإنك يا عبد الرءوف إن وُفّقت في هذا العمل فسيكون لك شأن كبير، ومركز عظيم إضافة إلى ما تتمتع به من إمكاناتٍ مادية حيث تصل إليك التبرعات بسخاءٍ والمعونات بمبالغ ضخمة هذا بجانب السلطة العسكرية، والأوامر التي تُصدرها فتُنفّذ مباشرة حيث يكون المقاتلون تحت إمرتك ورهن إشارتك.
وافق عبد الرءوف على العمل، وأخذ الضوء الأخضر للمباشرة من الزعيم العربي سلطان العوالق، على أن تحلّ منظمته محلّ منظّمة مفتي عدن من غير صدامٍ، وبشرط ألا يخرج عن رأي سلاطين الدويلات، وهكذا كان.
بدأ عبد الرؤوف اللعبة من جديد، وأصبح اسمه [ياسين] الحسيني، أسّس منظمة لتحرير عدن من المغتصبين البرتغاليين، وأنشأ فصائل للقتال فانخرط في صفوفها كثير من العدنيين المشردين، وبدأت تخوض بعض المعارك، وتدخل إلى الأرض المحتلة وتقوم ببعض العمليات الناجحة، فارتفعت أسهم المنظمة، وبرز [ياسين] وأصبح في مصاف القادة، وغدا الأمل كبيرًا عند العدنيين المشردين بقرب يوم العودة، والمقيمين بقرب الخلاص من ربقة الاستعمار.
أخذ عبد الرءوف ينادي بحمل السلاح، وهو الحلّ الوحيد لإنهاء المشكلة، وهو اللغة التي يفهمها العدو، ولا يقبل المهادنة، ولا المساومة، ولا المفاوضة بل لا يمكنه أن يلتقي مع المغتصبين المجرمين .. وبالمقابل فقد شنّ العدو عليه وعلى المنظمة حملة إعلامية شعواء؛ إذ اتهموه ومنظمته بالتخريب و.. وتدفقت عليه أموال التبرعات والمعونات وأصبح على مستوى السلاطين العرب، ووصل إلى المرحلة التي وصلوا إليها.
شن البرتغاليون غاراتٍ على مُخيمات اللاجئين العدنيين في جهات [الحواشب] وقاموا بعددٍ من المذابح الرهيبة والجرائم المنكرة وذلك لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل المشكلة، فانتقل مقرّ المنظمة إلى [الصبيحي] ، وانتقلت مراكز الفصائل المقاتلة وتوزّعت على السلطنات، فخفّ ضغطها على البرتغاليين.. ضغطت الدول الأوروبية التي قوي نفوذها في المنظمة على السلاطين، وطلبت منهم إنهاء المشكلة فعقدوا اجتماعًا في [تعز] وقرّوا الاعتراف بالوضع البرتغالي في عدن على أن يتولى أمر إعلان ذلك الزعيم العدني [ياسين] .
انتفض العدنيون الذين لا يزالون يقيمون في مواطنهم، ولعبت هذه الانتفاضة دورًا كبيرًا ، فدعا الأوربيون إلى عقد مؤتمر عالمي لإحلال السلام في المنطقة، وإنهاء المشكلة، وتلعثم السلاطين أيوافقون أم لا؟ وأنيطت القضية بالزعيم العدني [ياسين] الذي أعلن أنه مستعد لحضور المؤتمر العالمي الذي دعت إليه دول أوروبا، وأنه يتحدّى البرتغال للموافقة على الحضور، وهي التي تتمنّاه وتدعو للاعتراف بكيانها في عدن، فتمنّعت تمنّع الراغب لإتمام اللعبة وإخفائها عن الشعب، وتقوية موقف [ياسين] وإبرازه على أنه هو الذي يدعو، وهي التي ترفض، أي أن المتمنع هو الموافق والراضي هو الرافض .. أعلن سلطان [الحج] أنه كان يعدّ عدن جزءًا من أرضه أنه قد تخلّى عنها، وأن أهلها أحرار يحلّون أمورهم بأنفسهم، وبذا أصبحت عدن وحدها أمام البرتغاليين دون سندٍ أو دعم. وفي هذا الوقت وقفت البرتغال تتفرّج على إخراج المسرحية لإنهاء المشكلة. فقد انتهى دورها، وجاء دور غيرها، ودور البطل لا ينتهي حتى حل المشكلة.
أعلن الزعيم [ياسين] أن لأهل عدن حكومة خاصة، وتعامل معها السلاطين على أنها حكومة شرعية قائمة. ثم صرح أنه على استعداد للاعتراف بالكيان البرتغالي، وبذا أصبحت حكومتان إحداها لأهل عدن المشردين ولهم بعض أجزاء من مدينة عدن، والثانية للبرتغاليين المغتصبين، ولهم الجزء الأكبر من عدن، أو تستطيع أن تقول: أن المنطقة العربية تشمل منطقتين متباعدتين هما: عدن القديمة في الشرق وتشرف على الميناء القديم في جزيرة سيرة، وعدن الصغيرة في الغرب، وبينهما المنطقة البرتغالية حيث مدينة التواهي، وخليج التواهي إذ يوجد الميناء الجديد.