والرسل والأنبياء والمؤمنون من الإنس والجن يخافون ربهم ويحبونه ويعبدونه، ويتقون عذابه، ويسارعون في الخيرات ويدعونه رغبًا ورهبًا، ويجاهدون في سبيله، ويخلصون دينهم له، ويقدسون ربهم، ويسبحونه، ويوقنون أنهم هو سبحانه وتعالى إلههم وربهم ليس لهم إله دونه ولا رب لهم سواه، ولا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء لهم. وقد أثنى الله عليهم فقال: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم* ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلًا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين* وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين* وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وكلًا فضلنا على العالمين* ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم* ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} .
وقال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون* كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله* وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير* لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت* ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا* ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا* ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به* واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} .
وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة أجرًا عظيمًا} .
وقال تعالى: {وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين} .
وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين وأمرت لأن أكون من المسلمين* قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم* قل الله أعبد مخلصًا له ديني} .
وقال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} .
وقال تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن اتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} .
وقال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} .
فالرسل جميعًا عابدون له خائفون منه مسبحون بحمده راجون رحمته، خائفون من عذابه، قد جعلوا حياتهم كلها له، وأسلموا له في الصغير والكبير، وكذلك سائر أهل الإيمان من الإنس والجن، هذا دينهم وعملهم ومنهجهم، لا إله لهم يعبدونه إلا الله، الذي أوقفوا حياتهم كلها له {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} .
وأما من أنكر هذه الألوهية من كفار الإنس والجن فإنما جحدها جحدًا، وعمى عنها عماية، وكفر بها كفرًا، ولا يضر بهذا الجحود والكفر والعمي إلا نفسه، وسواء اتخذ له إلها من دون الله يعطيه ما يعطي الإله من الحب والطاعة والخوف والخشية والإنابة والعبادة، أو لم يعرف له إلهًا ولا ربًا ولا خالقًا فعبد هواه وشهوته، وعاش في هذه الدنيا يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام ثم تكون النار مثوى له، فهو كالأنعام بل أحط قدرًا. قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} .
وقال تعالى: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} .
بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق