8-مدرسة الإمام أبي حنيفة والتي أنشئت بجوار مشهد أبي حنيفة وأسسها أبو سعد ابن المستوفي حيث تم افتتاحها قبل افتتاح المدرسة النظامية بخمسة شهور [4] . وقد ذكر بعض المؤرخين أن الغزنويين اهتموا بالمدارس من خلال بعض أمراءهم، كالنصر بن سبكتكين - حينما كان واليًا على نيسابور وسماها السعدية [5] وجاء نظام الملك فوجد أمامه هذه النماذج العديدة من المدارس، ورأى الفاطميين قد سبقوه إلى تشييد الأزهر، والاعتماد عليه في دعوتهم ودراسة مذهبهم فكانت هذه مصادر إيحاء وتحفز للقيام بإنشاء مجموعة من المدارس وليست مدرسة واحدة لتشارك المجاهدين في حربهم ضد المبتدعين بنفس السلاح [6] ، لقد تسربت الباطنية في سوريا وفارس والعراق وأخذت بفضل إغراء الدعاة وإثارتهم فطاف - ناصر خسرو - ومن بعده - حسن الصّباح - يدعوان للمذهب الباطني الإسماعيلي الشيعي الرافضي، وقام إبراهيم ينال - ثم البساسيري في الموصل وبغداد بثورتين عنيفتين كادت تقضيان على الخلفاء السلاجقة جميعًا، وكان لدار الحكمة والأزهر اللذين أسسهما الفاطميون في القرن العاشر الهجري بالقاهرة الفضل الأكبر في بث مبادئ التشيع الإسماعيلي ونشر الحكم الفاطمي [7] ، ولم يكن إيقاف حركة الباطنية هذه فضلًا عن القضاء عليها بالأمر الهيّن، جذورها قد تغلغلت في جسم البلد الإسلامي الكبير بحيث لم يبق عضو منه سليمًا وبخاصة إقليم خراسان فإنه كان موطن المغذَّين لها بالآراء الفلسفية والبراهين المنطقية إن لم يكن من المؤسسين لها، .. وقد اتخذ هؤلاء وتسيلتهم الإقناع والحجة عن طريق الحوار والمناقشة [8] ، لقد بدأ التفكير الفعلي في إنشاء هذه المدارس النظامية للوقوف أمام المد الشيعي الإمامي والإسماعيلي الباطني عقب اعتلاء السلطان ألب أرسلان عرش السلاجقة في عام 455ه، فقد استوزر هذا السلطان رجلًا قديرًا وسنيًا متحمسًا هو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، الملقب بنظام الملك، فرأى هذا الوزير أن الاقتصار على مقاومة الشيعة الإمامية والإسماعيلية الباطنية سياسيًا لن يكتب له النجاح إلا إذا وازى هذه المقاومة السياسية مقاومة فكرية، ذلك أن الشيعة ! إمامية كانوا أو إسماعيلية نشطوا في هذه الفترة وما قبلها إلى الدعوة لمذهبهم بوسائل فكرية متعددة، وهذا النشاط الفكري ما كان ينجح في مقاومته إلا نشاط سني مماثل يتصدى له بالحجة والبرهان، خاصة وأن السلاجقة ورثوا في فارس والعراق نفوذ بني بويه الشيعيين، وهؤلاء لم يألوا جهدًا في تشجيع الإمامية على نشر فكرهم، كما غضوا الطرف عن نشاط دعاة الإسماعيلية في فارس والعراق وترتب على ذلك كله تزايد نفوذ الشيعة فيهما، خاصة بعد أن لجأ الشيعة إلى إنشاء مؤسسات تعليمية تتولى الترويج لعقائدهم، وتعمل على نشرها، فقد أنشاء أبو علي بن سِوّار الكاتب أحد رجال عضد الدولة ت 372ه دار كتب في مدينة البصرة وأخرى في مدينة رام هرمز: وجعل فيها إجراء على من قصدهما، ولزم القراءة والنسخ وكان في الأولى منهما شيخ يدرس عليه علم الكلام على مذهب المعتزلة [9] ، كما أسس أبو نصر: سابور بن أرد شير: وزير بهاء الدولة ت 416ه دارًا للعمل في الكرخ فيعام 383ه، ووقف فيها كتب كثيرة، ذكر ابن الأثير أنها بلغت عشرة آلاف وأربعمائة مجلد في أصناف العلوم، وأسند النظر في أمرها ورعايتها إلى رجلين من العلويين يعاونهما أحد القضاة [10] ، وبعد وفاة سابور آلت مراعاة هذه الدار إلى الشريف الرضى نقيب الطالبيين [11] كذلك اتخذ الشريف الرضي ت 406ه الشاعر الإمامي المشهور دار اسماها دار العلم، وفتحها لطلاب العلم، وعين لهم جميع ما يحتاجون إليه [12] . ويدل مجرد اسم هذه المؤسسات على الفرق بينهما وبين دور الكتب القديمة، فكانت دار الكتب تسمى قديمًا خزانة الحكمة، وهي خزانة كتب ليس غير، أمام المؤسسات الجديدة فتسمى دور العلم، وخزانة الكتب جزء منها [13] . وهذا يشير إلى هذه الدور الجديدة كانت لها وظيفة تعليمية أيضًا [14] ، وإلى جانب دور العلم هذه كان كثير من أئمة الشيعة الإمامية يقومون بالدعوة إلى مذهبهم ونشر عقائدهم في بيوتهم الخاصة، أو في مشاهدهم وأعنى بها المساجد التي دفن فيها أئمتهم - على حد قولهم - لئن بعضها لا يثبت والتي عرفت عندهم بالعتبات المقدسة [15] : فقد كان الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان، شيخ الإمامية المتوفي في عام 413ه يعقد: مجلس نظر بدار يحضره كافة العلماء وكانت له منزلة عند أمراء الأطراف يميلهم إلى مذهبه [16] وأما أبو جعفر الطوسي محمد بن الحسن فقيه الإمامية ت 460ه، فقد فر إلى النجف بعد أن هو جمت داره في بغداد، ونهبت محتوياتها في عام 448ه في حملة الضغط التي تعرض لها الشيعة في بغداد عقب دخول السلاجقة إليها وتمكن الطوسي في مقره الجديد من مواصلة نشاطه العلمي والتعليمي فألف مجموعة من الكتب في الفقه والحديث على مذهب الإمامية احتلت مكانًا بارزًا في الدراسات الشيعية الإمامية، كالتهذيب والاستبصار، وهما من