ولكن محور ما يسعى إليه دعاة المعاصرة هو مشاركة المرأة في الميدان السياسي ، ليكون هذا الميدان حقًّا لها مثل حقّ الرجل . فكما يمكن للرجل أن يكون رئيسًا للدولة فيمكن للمرأة أن تكون كذلك . هذا هو محور ما يسعى إليه دعاة المعاصرة . ولو سألنا التاريخ عند غير المسلمين أولًا . كم نسبة النساء اللواتي حكمن وترأسن الدول ؟! الجواب: نسبة ضئيلة جدًّا . ولو سألنا كم النسبة في التاريخ الإسلامي ؟! النسبة أقل بكثير ! فلماذا الحرص على تولّي المرأة رئاسة الدولة ؟ لماذا هذا الحرص وما مسوّغاته ؟! إذا انعدم في الأمة رجالها ، فلا حرج من يحكم بعد ذلك !
أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ( لن يُفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة ) . (1) فإن مدار الحديث عن ولاية أمر القوم ، وليس أمر الأمة المسلمة الواحدة فقط . فالنصّ واضح وهو عام لكلّ"قوم"مهما امتدوا أو صغروا . وحسب المسلم والمسلمة من هذا الحديث الاستجابة لله ولرسوله وعدم تأويله بما يخرجه عن معناه . فالرجل هو القوّام في البيت ، وهو المسؤول الأول ، وهو الراعي الأول بنصّ الأحاديث الشريفة والآيات الكريمة . ولكن بعض المسلمين يريدون أن يلووا الأحاديث والآيات ليسوّغوا مساواة المرأة للرجل في كلّ شيء . وهل هذه هي قضيتنا اليوم ، أن تكون المرأة رئيسة الدولة أو لا تكون ؟! وما المصلحة في إثارتها اليوم ؟!
وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن أبي أوفى ، وروى بعضه أبو هريرة ومعاذ وبريدة رضي الله عنهم أجمعين ، وبرواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها:
( لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها . والذي نفس محمد بيده ، لا تؤدي المرأة حقّ ربّها حتى تؤدي حقّ زوجها كلّه ، حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه )
[ رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان ] (2)
ويُستشهدُ على أن الإسلام يفرض مساواة المرأة بالرجل بالآية الكريمة من سورة النساء: ( يا أيها الناس اتقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساء ….. ) [ النساء: 1]
فأين الدلالة على المساواة بعد أن جاء الرجل متميّزًا برجولته في جميع معانيها ، والمرأة متميّزة بأنوثتها في جميع معانيها ؟ فكيف تتساوى الرجولة والأنوثة وقد جاء في كتاب الله ( ….. وليس الذكر كالأنثى …. )
[ آل عمران: 36]
ويستشهد أهل المساواة كذلك بقوله سبحانه وتعالى: ( يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم …) [ الحجرات: 13] (3)
ولا نرى في هذه الآية الكريمة أي علاقة للمساواة لا بين الرجل والمرأة ، ولا بين الكافر والمؤمن ، ولو كان أصل الخلق كلّه واحدًا من تراب . البشر كلّهم من أصل واحد ، ولكنهم يتفاوتون في ميزان الله في الدنيا والآخرة . فالأصل الواحد آية من آيات الله تفرّع عنه شعوب وقبائل متباينة في ميزان الله . إن ما ذهب إليه أهل المساواة بين الرجل والمرأة من الاستشهاد بهذه الآية الكريمة مغالطة كبيرة ، وتحميل للآية ما لم تقصده . فالأصل الواحد للخلق لا يعني التساوي في كلّ شيء .
ويذهب أهل المساواة كذلك إلى الاستنتاج من استشارة الرسول صلى الله عليه وسلّم لزوجه أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ في شأن امتناع أصحابه عن الحلق والذبح في عمرة الحديبية ، يذهبون إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلّم:"كان يستشير زوجاته في الأمور العامة ويأخذ بقولهنّ ورأيهنّ"! (4) عجبًا لهذا الفقه ! هذه هي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلّم مفصّلة بين أيدينا . كم مرّة استشار الرسول صلى الله عليه وسلّم زوجاته ؟!
وكم زوجة استشارها ؟! وما هي الأمور العامة التي استشار بها الرسول صلى الله عليه وسلم زوجاته ؟! وهل استشارة الزوج لزوجته تصبح قاعدة لاستشارة النساء بعامة في أمور الدولة كلّها ، لتصبح ذلك حقًّا لكلّ امرأة ؟ وهل كانت استشارته صلى الله عليه وسلم لأم سلمة أو غيرها من زوجاته مثل استشارته لأبي بكر وعمر وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم ؟ ومَنْ مِنَ النساء كانت موضع الشورى الدائمة أيام النبوة الخاتمة أو الخلفاء الراشدين ؟!