وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [22] إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [23] 'سورة الجن' إذن فلا نجاة إلا بتبليغ دعوة الله إلى الناس، التي هي أمر بمعروف أو نهي عن منكر.
ثانيًا:الحديث الشريف:
عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:' وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ يَلْعَنَنَكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ' رواه الطبراني . أي كما لعن بني إسرائيل. وفي بعض الروايات لهذا الحديث:' تلا صلى الله عليه وسلم الآية: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [78] كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [79] 'سورة المائدة' ' رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن مسعود .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 'إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ' رواه الإمام أحمد. وبالإمكان التغيير لو صمم الناس؛ لأن الطاغوت واحد، وهم كثير.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:'مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ'رواه مسلم والترمذي وأبوداود وابن ماجه والنسائي وأحمد. حيث إن الطلب في هذا الحديث محمول على الوجوب، فهو من قبيل الفرائض على جماعة المسلمين .
أولًا: مفهوم التعامل مع الناس:
أنت أيها الداعية: يجب عليك ابتداءً أن توطد نفسك على ارتياد كل المجتمعات، واستغلال كل المناسبات والفرص؛ لتبيان آراء الدعوة ومواقفها من الأحداث.. ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث وفير:
فقد دعا عليه الصلاة والسلام في اجتماع سياسي، بين بني عبد الأشهل عندما قدموا من يثرب يطلبون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فأتاهم ودعاهم إلى الإسلام.
ودعا في الحج، فقد لقي عند العقبة من منى في الموسم ستة نفر كلهم من الخزرج وهم يحلقون رءوسهم، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن؛ فآمنوا، وعرض صلى الله عليه وسلم نفسه في موسم الحج أيضًا على كل القبائل الوافدة إلى مكة، وهم بنو عامر، وغسان، وبنو حنيفة، وبنو عبس، وبنو نصر، وكندة وغيرهم.
وذهب إلى الطائف جازمًا في تصميمه على الاستمرار في دعوته، وعدم اليأس من استجابة الناس لها، والبحث عن ميدان جديد للدعوة، وتنقيب عن ركائز جديدة ترفع الراية، وتملأ الفراغ، وتجمع الصادقين. وذلك فيه تأكيد لصدق الداعية الأول صلى الله عليه وسلم في دعوته، وتصميم على الاستمرار فيها مهما قامت في وجهه الصعاب، وأنه لا يهمه إلا رضا الله وحده، فلا يهمه رضا الكبراء والزعماء، ولا رضا العامة والدهماء.
وفي عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل في موسم الحج دليل على أن الداعية لا ينبغي أن يقتصر في دعوة الناس إلى الخير ضمن مجالسه وبيئته فحسب، بل يجب أن يذهب إلى كل مكان يجتمع فيه الناس، أو يمكن أن يجتمعوا فيه، وهكذا يجب أن يكون الداعية ذا همة وثَّابة، وروح عالية، وحركة دائبة .. نريد من يتصل برجال السياسة والمطلعين على الأحداث؛ يتبادل معهم الرأي، ويبلغهم مفاهيم الدعوة، ويطلع بواسطتهم على دقائق الأحداث وأسبابها..ونريد من يتصل بأصحاب المشاعر الإسلامية، والمصلين، والمسئولين في الدولة.. ونريد من يرتاد مجتمعات العمال، والطلاب، والموظفين، والرياضيين..ونريد من يتصل بأساتذة الجامعة، والأدباء، وأهل الصحافة والمؤلفين؛ ليبلغهم آراء الدعوة..نريد من يجوب مجال العلماء في المساجد، وطلبة العلوم الشرعية؛ ليقرب الجميع من مفاهيم الدعوة، وينمي ثقتهم بها وبسيرتها.
نريد كل هؤلاء، فعنواننا هو: لا انعزالية .. !! ونريد بالانعزالية: انعزالية الخلطة البدنية، والدعوة بالقول، لا انعزالية الفكر، وتميز المنهج والطريق، فذلك لابد منه، ونتصل بالجميع نبلغهم القول الحق.