فهرس الكتاب

الصفحة 10528 من 27345

ثم يبقى فعل الواجبات، وترك المحظورات، وقد تسامح في ترك الواجب لعذر، وأوجب فدية، وتسامح في فعل المحظور: نسيانا، أو جهلا، أو اضطرار وكرها. وجعل فيه الكفارة والفدية إذا كان عمدا، وهكذا الأمر في السفرين. فما أشبه سفر الحج بسفر الحياة، وما أسعد من اتعظ، وفهم المعنى، وأدرك المغزى، وما أنزل القرآن إلا للتدبر، والتفكر، قال تعالى:

-"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" [صّ:29] . -"أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" [محمد:24] .

الأصل الأكبر.

والأصل الأكبر في السفرين: توحيد الله تعالى. هذا الذي أرسلت به الرسل، ونزلت به الكتب، وخلق الله الخلق لأجله، ومايز بين الناس به، وحرم به الدم، والمال، وأدخل به الجنة، هو: إفراد الله تعالى وحده بالعبادة، ونبذ الشرك، وطرائق الشرك، سواء كان عبر الشفاعة، أو التوسل، أو التبرك.

هذا الذي يؤمر به الناس في حياتهم، كي يحصلوا ثواب الله تعالى، ويجتنبوا عقابه، منذ البلوغ حتى الممات، كما قال تعالى:"قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" [الأنعام:162 - 163] ، فإذا جاء الحج أكد هذا الأصل بشعائره، ورسخه في النفوس، ورباهم عليه بالمظاهر التالية:

الأول: التلبية. فقد كان المشركون في حجهم يلبون فيقولون:"لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك"، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع هذا الشرك، وأمر الناس أن يقولوا في تلبيتهم:"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك"، فهذا شعار التوحيد وكلمته، يردده الحجاج منذ إحرامهم، وسائر أيامهم.

الثاني: القصد. فإن الحج يقصد لوجه الله وحده، لا لأجل فلان وفلان، لا نبي ولا صالح، يخرج الحاج من بلده وأهله، لا يبتغي إلا الله تعالى وحده، حتى النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل في قصده، فليس من شروط الحج، ولا من واجباته: زيارة مسجده صلى الله عليه وسلم. لكنها من المستحبات عموما.

الثالث: الأعمال. كل أعمال الحج تجرى لله تعالى، ليس لأحد حظ فيها، من الأول إلى الآخر: الإحرام، إلى المبيت بمنى، إلى الوقوف بعرفة، ثم المبيت بمزدلفة، ثم الطواف والسعي، ورمي الجمار.

الرابع: الدعاء. كل الأدعية المأثورة في أعمال الحج أدعية خالصة لله تعالى، فيها التوحيد ونفي الشريك، كدعاء الصفا والمروة، كما قال تعالى:"فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا" [البقرة: من الآية200] ، قال القرطبي:"قال ابن عباس وعطاء والضحاك والربيع: اذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم، وأماتهم: أبه أمه؛ أي فاستغيثوا به، وألجئوا إليه، كما كنتم تفعلون حال صغركم بآبائكم. وقال طائفة: معنى الآية: اذكروا الله، وعظموه، وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم".

الخامس: لا حظ لمخلوق. ليس في الحج تبرك بمشاهد، أو أضرحة، أو قبور، أو أشخاص، وليس فيه دعاء غير الله تعالى، أو الاستغاثة به، أو التوسل، بل ليس للمخلوق منه إلا الإحسان، بدعاء وعون، فيشرع في الحج: الحج عن ميت، أو عاجز. أو عون ضعيف أو محتاج، فكل حظ للمخلوق في الحج فبالإحسان إليه، وليس فيه أدنى شيء يدل أو يحث على التبرك به، أو التوجه إليه، وقد كان المشركون في حجهم يتفاخرون بآبائهم، ويذكرونهم، فأمر الله تعالى المؤمنين بقوله:"فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا" [البقرة: من الآية200] ، فأمرهم بذكر الله تعالى أشد من ذكر الآباء، ليعلمهم أن هذا موضع يعظم فيه الرب سبحانه وحده دون غيره. وهذا قول آخر في تفسير الآية.

ففي الحج يتعلم المرء التوحيد خالصا صرفا، ليرجع بعده فيكون كذلك في باقي أيامه، كما كان في حجه.

لما كان الحج عبادة تشمل أعمال: القلب، واللسان، والجوارح.

وكانت عناية الناس، في أغلبهم، منحصرة في أعمال: اللسان، والجوارح.

قصدت التذكير بالعمل الغائب: عمل القلب.

لتحصيل التمام والكمال، في التعبد والأجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت