لقد ازدادت كذلك جرائم الاغتصاب . كل يوم تنشر الصحف أنباء مروّعة عن هذه الجرائم في قلب الحضارة التي تعقد المؤتمرات لدراسة حقوق الإنسان ، الحضارة الغربية التي فقدت كُلَّ مقومات الحق الإنساني . رجل يتصدى لامرأة عائدة لمنزلها فيتعدي عليها ثم يقتلها . مجرمون يقتحمون المنازل فيتعدون على النساء ثم يذبحونهن .
جثث تكتشف هنا وهناك لفتيات أو نساء اعتدي عليهن . وامتد الاغتصاب حتى طال الفتيات الصغيرات ، يُعتدى عليهنَّ ثم يقتلن وهن ضعيفات لا يقدرن لصغرهن على الدفاع عن أنفسهنّ .
وأصبح القانون في مجتمع هذه الحضارة يُقرُّ الزِّنا والفاحشة ، فما هو معنى الاغتصاب عندئذ ؟! وأصبح القانون الفاسد يُقرُّ أكثر من ذلك ، أصبح يُقرُّ اللواط ! فماذا بقي من كرامة الإِنسان ؟! ماذا بقي له من أمن أو حرية ؟!
عزلوا دينهم عن الدولة حتى لم يعد له دور في إصلاح المجتمع أبدًا . فمن يعالج هذا الفساد المستشري ، ومن يصلحه ؟! عزلوا الدين عن الحياة ، وخنقوه في الكنائس ، حتى امتد فساد المجتمع بزناه ولواطه وجرائمه إلى قلب الكنيسة ، بدلًا من أن تنقل الكنيسة بعض الصلاح إلى المجتمع . وأصبح هذا الفساد هو الذي يصوغ القوانين للناس ، فرُفعت أحكام الإعدام عن القتلة المجرمين ، وعللوا ذلك بادعاء الرحمة والنظرة الإنسانية ، وأصبحت الجرائم الكبيرة لا تنال العقوبة بقدر ما تنال التشجيع . ولم يبق للدين من دور في حياتهم إلا أن يكون رجاله مقدّمة الفساد والعدوان لجيوش الظلم والطغيان في الأرض ، وإلا أن يشاركوا بأكبر قدر ممكن في نشر الفتنة والفساد في الأرض ، حتى أصبحت بعض المراكز الدينية عندهم ، في قلب حضارتهم ، هي نفسها تقيم حفلات الخمور والرقص ، رجالًا ونساء ، فتيانًا وفتيات ، وتسهل درب الفاحشة بكل وسائل الفتنة والإغراء ، حفلات يباركها رجال الدين ويغوصون في أوحالها . في هذا الجو لم تعد تقتصر الجريمة على طبقة دون طبقة . لقد أصبح عدد غير قليل من رجال السلطة والمال والقانون يتورطون بجرائم القتل والفاحشة واللواط . كم نشرت الصحف عن فضائح جنسية للوزراء في انجلترا ، ولرجال الكونغرس في أمريكا . أما في إيطاليا فقد حملت الصحف لنا قصة فتاة دخلت الانتخابات وقامت بحملتها الإعلانية بعرض مفاتن جسمها وهي عارية على الناس ( 34 ) . وبالطبع فقد نجحت في الانتخابات ، لتكون الانتخابات دليلًا ليس على فساد هذه المرأة وحدها ولكن على فساد المجتمع نفسه الذي انتخبها أيضًا . وحملت لنا الصحف نبأ اعتقال محافظ واشنطن مجرمًا بتهمة تعاطي المخدرات والمتاجرة بها . وامتدت الجريمة في المجتمع الغربي امتدادًا واسعًا حتى شملت الطبقات كلها، من الطبقات الدنيا إلى الطبقات العليا .
كل هذا الامتداد للجريمة والفساد يسمونه إما الديمقراطية وإما ديكتاتورية الطبقة العاملة . وقد انهارت ديكتاتورية الطبقة العاملة . وفرح الكثيرون وظنوا أن هذا دليل على موت الشيوعية . وغاب عن بال الكثيرين أن هذا التحوُّل لم يعن أن الملحدين في الأرض آمنوا وثابوا إلى رشدهم ، وعادوا إلى دين الفطرة ـالتوحيد . كلا ! إن الصراع مازال مستمرًا حتى اليوم . ونعتقد أن الصرَّاع قد بلغ ذروته مع هذه اللحظات التاريخية من حياة البشرية ، بالرغم من التفاهم الظاهري بين الدولتين الكبيرتين .
إن النفوس لم تتغير ، والأطماع لم تتغير ، المبادئ لم تتغير ، والغنائم مبسوطة أمام هذه الوحوش المفترسة أمام البسمة التي تنشق عن أنياب !
لقد شهد القرن العشرون أكثر الحروب دموية في تاريخ البشرية ، وأكثر نسبة للجرائم بمختلف أنواعها في غلب الحضارة ، وأخطر شعور بالقلق والخوف عرفه الإنسان في تاريخه . وكأن هذه النسبة العالية كانت تتناسب مع ما يحققه العالم من تقدّم علميّ ومادي .
لقد وقع في القرن العشرين بحدود مئة وثلاثين حربًا ، راح ضحيتها مائة وعشرون مليون قتيل . وهذا العدد يفوق عدد من قتلوا في جميع حروب الإنسان فيما قبل 1900م .
قال ونستون تشرشل قبل أكثر من أثنين وأربعين عامًا: (( إن العصر الحجري قد يعود مرة أخرى على أجنحة العلم البرّاقة ، وإن النعم المادية التي تغمر الإنسان الآن ربما تؤدي إلى القضاء عليه تمامًا ) ).
هذا هو القرن العشرون ! فماذا يحمل القرن الواحد والعشرون للإنسان ؟!
إن قدر الله وقضاءه ماضيان في الحياة الدنيا . ولكن الإنسان يظلّ مسئولًا عن عمله محاسبًا عليه ، سنّة من سنن اللّه الماضية وقدرًا منه سبحانه وتعالى . وأمام الإنسان فرصة لكي يغير مبادئه التي أورثته هذه المهالك ، وأمامه فرصة لينطلق في رحاب الإيمان والتوحيد ، ليحوّل النعم المادية كلها إلى خير الإنسان وصلاحه ، وطهره ونجاته . أما إذا ظلت الأطماع كما هي ، والمبادئ كما هي ، فإن الصراع ماض ، والأمر بيد اللّه ، للّه الأمر من قبل ومن بعد .