السبب الثانى للمغفرة: الاستغفار ولو عظمت الذنوب: وبلغت العنان وهو السحاب، وقيل: ما انتهى إليه البصر منها.
وفى الرواية الأخرى: [لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَغَفَرَ لَكُمْ] رواه أحمد.
-معنى الاستغفار: والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها، وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار:
-فتارة يؤمر به: كقوله تعالىوَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [20] } [سورة المزمل] .
-وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره: كقوله تعالى:وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [110] } [سورة النساء] .
-الاستغفار المقرون بالتوبة: وكثيرًا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة: عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح.
-إفراد الاستغفار: وتارة يفرد الاستغفار، ويرتب عليه المغفرة كما ذكر الحديث، وما أشبهه.
-الاستغفار المقبول: قيل: إنه أريد به الاستغفار المقترن بالتوبة. وقيل: إن نصوص الاستغفار المطلقة تقيد بما ذكر في آية آل عمران: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [135] } .من عدم الإصرار، فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفر من ذنوبه، ولم يصر على فعله، فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا القيد.
ومجرد قول القائل: 'اللهم اغفر لى' طلب منه للمغفرة، فيكون حكمه حكم سائر الدعاء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، ولاسيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنوب، أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات.
ويروى عن لقمان أنه قال لابنه: 'يا بنى عوّد لسانك اللهم اغفر لي؛ فإن الله ساعات لا يرد فيها سائلًا'. وقال الحسن: 'أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفى طرقكم، وفى أسواقكم، وفى مجالسكم، وأينما كنتم؛ فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة'. وعن مغيث بن سمى قال:'بينما رجل خبيث، فتذكر يومًا اللهم غفرانك، اللهم غفرانك، ثم مات، فغفر له'.
ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا قَالَ رَبِّ أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ] . والمعنى: ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر، والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار.
-الإصرار من موانع إجابة الاستغفار: الاستغفار باللسان مع إصرار القلب على الذنب هو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده، وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة. وفى حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: [...وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ] رواه أحمد.
-الاستغفار الموجب للمغفرة: قول القائل:'أستغفر الله'. معناه: أطلب مغفرته، فهو كقوله: 'اللهم اغفر لي'. فالاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله تعالى أهله، ووعدهم بالمغفرة.
قال بعض العارفين:'من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو كاذب في استغفاره'. وفى ذلك يقول بعضهم:
استَغفِرُ اللهَ مِن اَستَغفِرُ اللهَ ... ... مِن لَفظَةٍ بَدَرَت خالَفتُ مَعناها
وَكَيفَ أَرجُو إِجَابَاتِ الدُّعَاءِ وَقَد ... ... سَدَدتُ بِالذَّنبِ عِندَ اللهِ مَجراها
فأفضل الاستغفار ما قرن به ترك الإصرار، وهو حينئذ يؤمل توبة نصوحًا وإن قال بلسانه: [استغفر الله] وهو غير مقلع بقلبه، فهو داع لله بالمغفرة كما يقول:'اللهم اغفر لى' فقد يرجى له الإجابة.
وأما من تاب توبة الكذابين فمراده أنه ليس بتوبة كما يعتقده بعض الناس وهذا حق. فإن التوبة لا تكون مع الإصرار.