وقد استقى الدكتور عبد الرحمن البر من القرآن الحكم بأن الإصلاح هو شرط النجاة من الهلاك، وذلك من قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} .
ومن خلال استعراض الدكتور البر لآيات القرآن الكريم بيَّن أن الله لا يقبل توبة عبد بمجرد الإعلان اللفظي لهذه التوبة؛ بل يشترط على كل تائب من كل ذنب أن يحدث إصلاحا بعد إفساده.
وفي هذا المقام تأتي آيات كثيرة؛ منها على سبيل المثال قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} .
وقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .
وقوله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
وقوله جل جلاله: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ...
وغيرها الكثير من الآيات.
الإصلاح شرط الخيرية
بعد هذا بين الدكتور البر أن عملية الإصلاح هي المهمة الأساسية للأمة الإسلامية، وأن المسلم لا يعد مسلما إلا إذا بدأ بممارسة هذه العملية، مستدلا بقول الله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ...} ؛ ففي هذه الآية تحددت مقومات الخيرية، ومن أهمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللذان من أدوات الإصلاح.
كما يقول المولى سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ...} ، وهاتان الآيتان وأمثالهما يدلان على أن الأمة الإسلامية تحمل مشروعا إصلاحيا مستمرا ومتجددا.
مقومات الإصلاح الناجح
ثم أخذ فضيلة الدكتور البر يعدد مقومات الإصلاح الناجح، مؤكدا أن الإصلاح الذي جاء به الحبيب صلى الله عليه وسلم والذي أمرنا به ودعانا للقيام به لا ينجح إلا إذا توفرت له تلك المقومات والشروط العشرة، وهي:
1-أن يكون المنطلق إيمانيا عقديا.
2-ألا يحمل مشروع الإصلاح إلا الصالحون.
3-أن يبدأ المصلح بنفسه وبعشيرته وبمن حوله.
4-التدرج ومراعاة طباع الناس وأحوال الزمان.
5-أن يكون الإصلاح شاملا لكل مجالات الحياة.
6-أن تقتنع الأمة به، ولا يُفرَض عليها فرضا.
7-أن تكون بوابته الحرية، ومنهجه الشورى، وسناده العدل.
8-حماية وحدة الأمة، وعدم محاباة فئة على حساب الأخرى.
9-مشاركة الأمة كلها بكل أفرادها وطوائفها في عملية الإصلاح.
10-حفظ أرواح الناس وصيانة أعراضهم.
وقد تفضل الدكتور البر بشرح هذه المقومات، وذكر شواهد لها من القرآن والسنة ووقائع التاريخ والواقع المعيش. ...