فهرس الكتاب

الصفحة 1086 من 27345

ولنترك فريق الكافرين وما آل إليه حالهم من العذاب والنكال. ونلق نظرة أخرى على الفريق المؤمن ، لننظر كيف كان يفعل وما هي الأسباب التي أخذ بها فجاء الخير والعزة والسعادة والنصر والتمكين. لقد عاش المؤمنون بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة وبعدها يؤمنون بربهم وحده لا شريك له ، يحترمون دينهم، ويقدمون مطالبه على رغبات نفوسهم، يحملون في الحياة رسالتهم العالمية ويرفعون راية التوحيد في ثبات ويقين دون شك ولا وجل، ولقد كان خصوم الإسلام يستكثرون على المؤمنين حق الحياة كما يريدون ، بل كانوا يروعونهم في الحرم الآمن، ويرغمونهم على النزوح هنا وهناك. لكن الله جل جلاله اطلع على قلوبهم فعلم صدقهم فكافأهم مكافأة سخية كريمة لم تخطر لهم على بال حيث كتب الله لهم النصر والتمكين والسيادة، قال الله عز وجل ممتنًا على المؤمنين بالنصر والظفر والعزة والتمكين الذي نالوه على الرغم من قلة عددهم وعدتهم وكثرة أعدائهم: ?وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ? [الأنفال:26] .

نعم على المؤمنين أن يدركوا دائمًا وأبدًا أنهم ليسوا وحدهم في المعركة التي يواجهون بها أعداء الله، إن الله معهم جلت قدرته، يرعاهم ويؤويهم وينصرهم ويرزقهم، فلا خوف إذًا ولا قلق ، فسنة الله تعالى مع أوليائه أنه معهم يتولاهم بنصره وتأييده في كل زمان ومكان ففي معركة بدر كانت عوامل النصر الظاهرية والدلائل الواقعية في صف المشركين، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف المؤمنين حتى قال المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ?... غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ ...? [الأنفال:49] ، لأن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة، فهم يرون ظواهر الأمور المادية ولا يرون إلى مواطنها، لأنهم لم يؤمنوا بالله أو يستشعروا عظمته وقدرته جل وعلا. فهم لذلك يظنون المسلمين مخدوعين في موقفهم، مغرورين بدينهم واقعين في الهلكة بتعرضهم لجحافل المشركين الذين يرونها.

إن المؤمنين بالله عز وجل حق الإيمان يأخذون بالأسباب ويستعدون ولكنهم يوقنون مع ذلك بأن الأمر كله لله وأن نواصي الخلق بيده فهم يتوكلون عليه ويفوضون الأمر إليه: ?... وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [الأنفال:49] .

وما أشبه الليلة بالبارحة ، لقد تجمع الكفر والوثنية لمواجهة الرسول والمؤمنين ، فكانت المعركة بين القلة المؤمنة والكثرة الكافرة، ووقف المنافقون والذين في قلوبهم مرض يتفرجون على المعركة مؤيدين للكافرين ساخرين من المؤمنين واليوم تتكالب قوى الكفر والإلحاد العالمي بقيادة اليهود وأمريكا لتدمير الإسلام والمسلمين ويقف معها المنافقون والذين في قلوبهم مرض وجهًا لوجه في مواجهة القلة المؤمنة التي تكفر بالطاغوت وتؤمن بالله وتستعصي على الواقع وتواجه كل القوى الكافرة الملحدة معتصمة بالله متوكلة عليه وحده سبحانه وتعالى.

إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يعرفون لهذا الموقف الإيماني الثابت الشامخ الذي يقفه المؤمنون مبررًا لهذا التهور ـ كما يسمونه ـ وللإلقاء بالنفس إلى التهلكة من يستطيع أن يواجه أمريكا وإسرائيل؟ إنهم يحسبون الحياة كلها ـ بما فيها الإيمان والعقيدة والدين ـ صفقة في سوق التجارة، إن كانت ظاهرة الربح أقدموا عليها، فأما إذا كان الخطر فالسلامة أولى، إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ولا يزنون الأشياء بميزان الإيمان، إن هذه المعركة التي يخوضها المؤمن صفقة رابحة دائمًا في حسه وميزانه، فهي مؤدية إلى إحدى الحسنيين: النصر والغلبة ، أو الشهادة والجنة.

ثم إن حساب القوى لدى المؤمنين يختلف عن حسابات الكافرين والمنافقين ، فهناك الله القادر المنتقم الجبار القوي العزيز .. وهذا مالا يدخل في حساب المنافقين والذين أشركوا ، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم. لا تغالب قوته ولا يهزم جنده ? وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ? [الصفات:171-173] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت