وقال أبو هريرة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بينما راع في غنمه، عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري؟» (1) فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر» .
وفي رواية لهذا الحديث: «وما هما ثَمَّ» . يعني لم يكونا موجودين حين ذكرهما الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
الخلط بين الممكن والمعهود والمستحيل هو أساس الحجج التي اعتمد عليها كل الذين أنكروا بعض حقائق الدين التي بلَّغتهم إياها الأنبياء.
كان هو أساس حجج العرب الجاهليين ومن سبقهم ممن كفر برسل الله، ومن جاء بعدهم من الزنادقة المنافقين والملحدين إلى يومنا هذا. انظر إلى الحجج التي اعتمدوا عليها في إنكارهم للبعث: {أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً} [النازعات: 11] .
{وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 49 - 51] .
فهؤلاء قوم ظنوا أنه من المستحيل على عظام أرمت وتفتت أن تدب فيها الحياة من جديد. لكن القرآن الكريم أعطاهم أدلة على أن هذا أمر ممكن، بل هو أمر لازم. كان القرآن الكريم يخاطب أناسًا يؤمنون بأن الله ـ تعالى ـ خالق كل شيء، فبين لهم أنه إذا كان ـ سبحانه ـ قد خلقهم أول مرة؛ فلماذا يستغربون أن يعيد خلقهم مرة ثانية، مع أن الإعادة أهون من البداية؟ وبيَّن لهم أن في ما يشاهدون من إحيائه الأرض بعد موتها ما يدلهم على إمكانية البعث ويقربه إليهم، ثم بين لهم أن هذا البعث أمر تستلزمه صفات الله تعالى. كيف يرسل الله ـ تعالى ـ رسلًا فيؤمن بعض الناس بهم ويصلحون وقد يضحون في سبيل ذلك ببعض المكاسب الدنيوية، بينما يكفر آخرون ويعيثون في الأرض فسادًا، ثم يساوي بين مصير الفريقين؟
{إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 34 - 36] .
من أمثلة إنكار الناس لما يخالف ما عهدوه من أمور ثقافية قول العرب الجاهليين: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] .
ومن أمثلته: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} . [الزخرف: 23 - 24]
لا تظنن أن هذا أمر خاص بالعرب الجاهليين، بل هو ضعف بشري عام، وهو الآن من أكبر سمات الحضارة الغربية السائدة في العالم اليوم. فالغربيون في جملتهم يعتقدون أن ما ألفوه من قيم وتقاليد في الأكل والشراب واللباس والتعامل والحكم والاقتصاد وغير ذلك هو الأمر الطبيعي الذي ينبغي أن يكون عليه الناس، بل هو المعيار الذي يقاس به مدى صلاحية ما عند الآخرين.
لقد كان من فوائد الكشوف والمخترعات العلمية الحديثة أنها وسَّعت من تصور الناس لدائرة الممكن لإتيانها كشفًا أو اختراعًا بأشياء ما كان الناس سيصدقون بها لولا قيام الأدلة الحسية أو العقلية على وجودها. من كان سيصدق في شيء كالهاتف الجوال، أو الأقراص التي تحوي من الكلام ما يساوي آلاف الصفحات. وأظن أن كثيرًا من الناس كانوا سيعدُّون وجود ما يسمى بالثقوب السوداء أمرًا مستحيلًا؛ إذ كيف يوجد شيء حسي مادته أكثر من المادة التي في عدد من الجبال وهو مع ذلك لا يمكن أن يشاهَد بشيء من الحواس الخمس؟
ولكن مع قيام الأدلة العقلية التي جاء بها الشرع، ومع وجود هذه الغرائب التي جاء بها العلم الطبيعي، فإن بعض الناس ما زالوا ينكرون أشياء مثل عذاب القبر، ووجود يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى عليه السلام. بل إنهم ما يزالون يجدون حرجًا في الإيمان بكل ما ليس بمعهود في الحضارة الغربية السائدة، فيُحرَجون من قضية الردة ويحاولون أن يجدوا منها مخرجًا بتحريف النصوص الدالة عليها، ويُحرَجون من كل شيء في تاريخهم السياسي لم يكن سائرًا على قواعد الدمقراطية، ويودون أن يساووا بين الناس مسلمهم وكافرهم ما داموا أبناء وطن واحد، وهكذا.
نسألك اللهم عقلًا نيِّرًا، وعلمًا نافعًا، وفقهًا واسعًا.