فهرس الكتاب

الصفحة 10895 من 27345

ومن أوصاف المنافقين التي ذكرها الله لنا إفسادهم في الأرض وتبريرهم لفسادهم بأنه صلاح وإصلاح كما قال تعالى: ?وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ? [البقرة:11-12] .

هكذا هو شأن كل مفسد يدعي أنه مصلح في إفساده وتخريبه سواء كان إفساده عن علم بدافع عداوته للإسلام وأهله أو كان إفساده عن تقليد لرؤسائه الروحانيين أو السياسيين ، فهو يدعي الإصلاح في الحالتين تغريرًا للمنخدعين من السذج المتأثرين بدعايته والمنفذين لخطته، مع تبرئته لنفسه من وصمة الإفساد، بالتمويه والتلبيس والمغالطة.

وهكذا نجد اليوم كما كان بالأمس أن كل مغرض وحاقد على الإسلام يسعى لهدم الإسلام ومحاربة عقيدته وتحطيم أهله أن يتذرع بدعوى الإصلاح والعمل على رفع الظلم وإزالة البؤس ونشر الحرية. حتى الكفار الأصليين قد لجأوا لهذا المكر ، فقد استولوا على بلاد المسلمين ونهبوا الثروات وحاربوا كل قطر للإسلام ويدعون أنهم مصلحون.

فالمنافقون الأوائل الذين نزل فيهم القرآن يرون أفسد الفساد والمتمثل في الصد عن سبيل الله ومحاربته إصلاحًا، زاعمين أن هذا الدين مخالف لتراث الأجداد وأنه منفر ومفرق للصفوف ومقيد للنفوس وقاض على حاجاتها وشهواتها.

ويرون ممالأة الكفار وموالاتهم من دون المؤمنين إصلاحًا لأحوالهم وتقوية لمصالحهم لا يجوز لزاعمي الدين أن يتدخلوا فيها.

ومنافقوا زماننا يرون أفسد الفساد وأعظم الكفر المتمثل في الطعن في الدين والاستهزاء به والعمل على إقصائه عن الحكم واستبعاده عن جميع شؤون الحياة وحصره في المسجد فقط يرون هذا صلاحًا وإصلاحًا للمجتمع وتطويرًا له.

إن الغارقين في النفاق والمغموسين فيه ، يدرأون عن أنفسهم الشناعة والقباحة بدعوى الإصلاح فيسمون الخلاعة التي يتبنونها والإباحية والرذائل ومفاسد الأخلاق تطور ومدنية ويسعون جاهدين لنشر الموبقات وإفساد المجتمع باختلاط الرجال بالنساء والتبرج والتعري ، وبث دور الرقص والمسارح والخمور يسمون ذلك رقيًا وتقدمًا ومسايرة لركب الأمم المتحضرة كما زعموا.

إن هؤلاء المنافقين في ديار المسلمين اليوم يقضون على الدين ويمحون تعاليمه وشعائره بواسطة وسائل الإعلام الموجهة من قبل أعداء الإسلام ويزعمون أنهم يثقفون الأمة ويطورونها ويصلحون أمرها.

إن المنافقين في بلاد الإسلام اليوم ينهبون ثروات الأمة ويعبثون بها، ويفرضون على الناس الأتوات والضرائب الباهضة بدعوى الإصلاح المالي والاقتصادي: ?وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ? [ البقرة:11] .

إن المنافقين اليوم يبيحون الربا ويبيحون الدماء والأعراض ويستخفون بالدين القيم، وإذا ما روجعوا أو نوقشوا وطلب منهم عدم الإفساد في الأرض على هذا النحو ? قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ? [ البقرة:11] .

إن المنافقين يجيدون إثارة الفتن والشغب والقلاقل في المجتمع ويؤججون صراع الطبقات والأحزاب وفئات المجتمع المختلفة بحجة ممارسة الديمقراطية والحرية السياسية: ?وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ? [ البقرة:11] .

إن المنافقين في ديار الإسلام يعطلون أحكام الله في الأموال والدماء والأعراض بحجة أن هذه الأحكام والحدود قاسية وبشعة لا تتناسب مع النظام الدولي الجديد. وهذا إجرام وفساد وإفساد في الأرض عظيم ، وإذا ما سئلوا عنه قالوا ? إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ? [ البقرة:11] .

? أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ? [البقرة: 12] ، إشارة وتنبيه إلى أن الفساد مصاحب لهم محصور في أحوالهم وأعمالهم فمهما زعموا خلاف ذلك، منهم مفسدون لكل شيء لا يصدر عنهم إلا الخراب والفساد لخبث ضمائرهم وفساد سرائرهم ، إنهم يفسدون الحياة فسادًا عظيمًا، وهم لا يشعرون بعظم وفضاعة ما يفعلون، إنهم لا يشعرون بجرمهم لمروج عقولهم وفساد طبائعهم وقلوبهم بسبب ما حل فيها من الشبهات الناشئة من ظلمات الأمراض المعنوية التي أظلمتها حتى حجبتها عن كل نور وهدى، ولهذا كان من أعظم أنواع إفسادهم التشكيك في الدين وتفريق كلمة المؤمنين.

أيها المؤمنون إن هذه الآيات التي كشفت لنا جانبًا من طبيعة المنافقين هي من نعم الله علينا حيث عرفنا بطباعهم وأحوالهم إلا أن فيها كذلك تهديدًا وتنبيهًا للمؤمنين من سلوك مسالكهم، أو أن تغزو قلوبهم الأنانيات وأغراض النفوس، فينغمسوا في وحل النفاق الذي نهى الله عنه وحذر منه أشد التحذير، ولهذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم من أشد الناس خوفًا على أنفسهم من النفاق.

فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على جلالة قدره وعظم منزلته المبشر بالجنة كان يخشى على نفسه النفاق.. فنحن أحق بالخوف منه.

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت